الانتفاضة // نور الهدى العيساوي
شهد المغرب خلال الأشهر الأخيرة انفجاراً غير مسبوق في أسعار الذهب، ليصبح المعدن النفيس ليس مجرد زينة أو رفاهية كما كان في الماضي، بل سلعة مقيدة بالاستخدامات الاجتماعية الصارمة، إذ صار اليوم يُستعمل أساساً في حفلات الزواج والطقوس التقليدية الكبرى، بينما تراجع استعماله اليومي كحلي وزينة عادية بسبب الأسعار الفلكية.
فقد وصل سعر جرام الذهب عيار 21 في يناير 2026 إلى نحو 1,189 درهم، وسعر عيار 24 إلى حوالي 1,359 درهم، وهو رقم لم يكن يتخيله المغاربة قبل سنوات قليلة. هذا الارتفاع لم يأتِ صدفة، فهو انعكاس مباشر لموجات صعود الذهب عالمياً، حيث تجاوزت الأونصة 5,000 دولار في جلسات متعددة عام 2025، ما دفع التجار المحليين إلى رفع الأسعار بحجة الانعكاس على السوق العالمي، بينما يلعب المضاربون المحليون دورهم في تفخيخ الأسعار، مستغلين الفوضى التنظيمية التي كانت تهيمن على السوق لعقود.
في المقابل، لم يستطع المواطن العادي مواكبة هذه الطفرة، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية بشكل ملموس، وقلص الطلب على الذهب إلا في الحالات الضرورية مثل الزواج، وأصبح الذهب مرتبطاً بالطقوس الاجتماعية الكبرى لا بالزينة اليومية أو المجوهرات العادية، وهو تحول يكشف هشاشة السوق المحلي أمام تقلبات الأسعار العالمية.
كما أثر هذا الارتفاع بشكل مباشر على الحرفيين وصغار المنتجين في المغرب، الذين يجدون أنفسهم مجبرين على رفع أسعار منتجاتهم لمواكبة ارتفاع تكلفة المواد الخام، ما يقلص هامش الربح ويجعل السوق أكثر صعوبة على صغار الفاعلين.
الأمر المثير للاستفزاز أن هذه الارتفاعات لا تعكس ازدهار الاقتصاد المغربي أو قوة القدرة الشرائية، بل هي نتيجة التبعية شبه الكاملة للسوق العالمي وتحرك المضاربين المحليين، في وقت لم تتغير فيه الظروف الاقتصادية للمواطن العادي، مما يجعل الذهب اليوم رمزاً للتفاوت الاجتماعي والفجوة بين الأغنياء والمواطنين العاديين.
في النهاية، المغرب يعيش مشهداً يتناقض مع صورته التقليدية للذهب كرمز للترف والجمال، فالمعدن النفيس أصبح اليوم سلعة اجتماعية محدودة الاستعمال، مع تحكم الأسواق العالمية والمحلية في كل حركة سعره، ليصبح الحلم بامتلاك قطعة ذهبية مجرد عبء مالي في غالبية البيوت المغربية.