حين يعجز التحليل… ويصعد التنجيم: من سيخلف أخنوش في حزب بلا خلف؟

الانتفاضة %%% سعيد الهركاوي 

لم يعد مستغربًا، في لحظات الانسداد السياسي، أن يُستدعى منطق التنبؤ بدل أدوات التحليل. فحين تعجز السياسة عن إنتاج أجوبة، يتقدّم “العراف” على حساب المحلل، ويصبح السؤال: من سيخلف عزيز أخنوش؟ أقرب إلى لغز غيبي منه إلى استحقاق حزبي مؤطر بالقانون والتنظيم.

ليس استدعاء اسم ليلى عبد اللطيف في النقاش العمومي سوى تعبير ساخر، لكنه بالغ الدقة، عن إفلاس التحليل السياسي، وعن مأزق قراءة واقع حزبي لا يخضع، في العمق، لا لمنطق القواعد ولا لقواعد المنطق.

خلافة أخنوش: أزمة اسم أم فضيحة نموذج؟

من حيث الشكل، نحن أمام حزب تصدّر انتخابات 8 شتنبر، وقاد الحكومة بأغلبية مريحة، وراكم السلطة والنفوذ والموارد. حزب من المفترض – نظريًا – أن يتوفر على نخبة سياسية، وصف ثانٍ، وآليات داخلية لإنتاج الخلف.

لكن الواقع يُكذّب هذا الافتراض.

فبعد سنوات من القيادة، لا يزال اسم الخليفة غائبًا، أو على الأقل غير قابل للتوافق العلني. تتعدد الأسماء في الكواليس، وتتناسل “التسريبات”، لكن دون وزن سياسي جامع، ودون مشروعية تنظيمية واضحة.

وهنا يفرض السؤال نفسه بحدة: كيف لحزب قاد الدولة أن يعجز عن قيادة نفسه؟

من التحليل إلى التنجيم: حين تفشل السياسة في تفسير ذاتها

حين يعجز المحلل السياسي عن تفكيك المشهد بأدوات السياسة، يلجأ – رمزيًا – إلى التنجيم. لا لأن العرافة تملك الجواب، بل لأن السياسة نفسها تخلّت عن قواعدها.

في هذا السياق، لا يُستدعى اسم ليلى عبد اللطيف للسخرية فقط، بل بوصفه استعارة سياسية:

القيادة لم تعد تُبنى عبر المسار، بل تُنتظر كـ”نبوءة”.

والخلافة لم تعد نتيجة صراع برامج، بل حدثًا يُعلن فجأة.

وهذا أخطر ما في المشهد.

أسماء تُطبخ خارج القواعد

في عالم “التنجيم السياسي”، تتداول أسماء يُقال إنها تُحضَّر لتُزفّ يوم 7 فبراير في مؤتمر يبدو أقرب إلى طقس إعلان منه إلى لحظة اختيار ديمقراطي.

مولاي حفيظ العلمي، أنس زناكي، شوكي الإسم الدي يتصدر المشهد اليوم، محمد أوجار العنيد، وأسماء أخرى تُستحضر وتُستبعد بنفس السرعة. اختلاف المسارات لا يخفي القاسم المشترك بينها:

لم تمر عبر نقاش حزبي مفتوح، ولم تُفرزها منافسة داخلية شفافة، ولم تصنعها القواعد.

نحن إذن أمام عملية طبخ هادئ للأسماء، حيث يُختزل الحزب في دائرة ضيقة، ويُختزل القرار في توافقات غير مرئية، ويُختزل المؤتمر في لحظة تصفيق.

هنا، لا نعيش تعددًا في الخيارات، بل ارتباكًا في المعايير.

وكثرة الأسماء ليست علامة صحة، بل دليل غياب ميزان سياسي واضح.

أسطورة الديمقراطية الداخلية… وسقوط الخطاب

كل من يصرّ على أن السياسة في المغرب تُدار وفق قواعد مضبوطة، ومساطر شفافة، وديمقراطية داخلية فعلية، يبدو – في ضوء هذا المشهد – إما ساذجًا، أو متغافلًا، أو متورطًا في إعادة إنتاج خطاب للاستهلاك الإعلامي.

التجربة الحزبية المغربية تُظهر بوضوح:

القواعد الحزب المغربلة تُستحضر عند الحاجة.

القوانين تُفعَّل انتقائيًا.

الديمقراطية الداخلية فلا ورقة سياسية ولا ورقة منهجية ولا مالية تُرفع شعارًا، وتُدفن ممارسة.

والنتيجة:

أحزاب بلا مناعة تنظيمية،

وبلا ذاكرة قيادية،

وبلا قدرة على إنتاج خلف مستقل عن منطق النفوذ.

البيت التجمعي… مرآة لا استثناء

ما يجري داخل حزب التجمع الوطني للأحرار لا يمكن قراءته كحالة معزولة، بل كمختبر مكثف لوضع حزبي عام:

القرار يُصنع خارج الهياكل.

النقاش يُدار بالصمت.

الصراع موجود، لكنه غير مرئي.

هذا ما يفسر فيض المقالات، وكثرة التكهنات، وضجيج التحليل الذي لا ينتج معنى. فالكثرة هنا لا تعني العمق، والسبق لا يعوّض الفهم.

{مسارات الإنجاز}: تأبين سياسي ناعم

إصدار كتاب «مسارات الإنجاز في هذا التوقيت ليس تفصيلاً بريئًا. فالكتاب لا يؤسس لمرحلة قادمة، بقدر ما يوثق لمسار مكتمل.

هو أقرب إلى تقرير حصيلة، أو شهادة نهاية، منه إلى أرضية استمرارية.

وفي منطق السلطة، حين يُؤرَّخ للمسار، يكون الانتقال قد بدأ فعليًا… لكن في الكواليس.

المفارقة أن هذا التوثيق لم يُرفق بإعداد الخلف، ما يكشف مرة أخرى هشاشة البناء الحزبي، وارتهانه لشخص واحد.

الأحزاب المغربية: من السياسة إلى الوظيفة

أزمة خلافة أخنوش تفتح نقاشًا أوسع حول مصير الأحزاب السياسية في المغرب:

سياسيًا: تراجع التأطير لصالح التدبير التقني.

قانونيًا: النصوص موجودة، لكن الممارسة فارغة.

اجتماعيًا: القواعد مهمشة، ومنزوعة التأثير.

اقتصاديًا: المال يصنع النفوذ، لا البرامج.

في هذا السياق، لا تعود الأحزاب فاعلًا مستقلًا، بل أدوات وظيفية، قابلة لإعادة التشكيل حسب الظرف.

حين يصبح السؤال أخطر من الجواب

ليس الخطر في غياب اسم خليفة عزيز أخنوش، بل في غياب الشروط التي تسمح بوجود هذا الخليفة.

وحين تصبح القيادة نتاج ترتيبات غير مرئية، يصبح التنبؤ عبثًا، والتحليل مغامرة، والكتابة اختبارًا للأمانة الفكرية.

السؤال الحقيقي ليس:

من سيخلف أخنوش؟

بل:هل ما تزال الأحزاب السياسية بالمغرب قادرة على إنتاج القيادة، أم أنها مجرد مسارح تُحرّك خيوطها من خارج الخشبة؟

التعليقات مغلقة.