الانتفاضة ### مصطفى الحجري
قبل وقتٍ قريب، كان المغاربة يتندرون بعلاقة الشعب المصري باللحمة، دون أن يدركوا أنه سيأتي عليهم زمان يصبح فيه شراء كيلو لحم بمثابة صنع ثقبٍ في الجيب…
من يستمع إلى الوزير بايتاس وهو يتحدث عن “الإنجازات الكبيرة” لحكومة انهزمت أمام شناقة اللحوم وفراقشية الدعم، لا بد له أن يطرح سؤالًا حول مصداقية تصريحات هذا الناطق الذي خسر جميع تبريراته.. و فقد لياقة لسانه الخشبي..
لن نعود إلى ما حدث وراء الستارة في واقعة إعلان أخنوش عزمه الرحيل، ضدًا على إرادة مناضلين ظهروا في تجمعات اللحم بالبرقوق التي نظمها الحزب في مختلف الأقاليم.
اليوم من حسن حظ أخنوش أنه تخلص من أحمد الحليمي، الذي سبق واتهم الحكومة بالكذب بشأن هوية التضخم وحقيقة الوضع الاقتصادي للبلاد، في سياق صار فيه الوضع الاجتماعي مثل قنبلة منزوعة الفتيل.
هذا التناقض بين معطيات المندوبية، على عهد الحليمي وليس شكيب بنموسى طبعًا، وتصريحات الوزراء ليس جديدًا..
بل عشنا فصولًا ساخنة منه وصلت حد التشكيك في خلفيات وتقارير وأرقام المندوبية من طرف بعض الوزراء..
تحديدا الوزراء الذين كشف المجلس الأعلى للحسابات على عهد جطو أنهم يراكمون فشلًا تلو الآخر، ويغطون على ذلك بالنفخ في إنجازات غير واقعية.
على رأس هؤلاء، طبعًا، رئيس الحكومة السي أخنوش، الذي باعنا العجل حين كان وزيرًا للفلاحة، من خلال مخططه الأخضر، قبل أن يخرج البنك الدولي ليؤكد أن عشرات الآلاف من الأسر المغربية صارت تعاني من سوء التغذية…
هذا في الوقت الذي تضاعفت فيه ثروات الفلاحيين الكبار والمصدّرين.
لقد تعودنا أن يصبح الكذب السياسي حلالًا ومشروعًا لدى السياسيين مع اقتراب الانتخابات…
لكن مع هذه الحكومة انطلق الكذب منذ لحظة تنصيبها، ولا يزال مستمرًا على مدار الساعة.
لطالما سمعنا خطابًا حكوميًا يصر على أن “العام زين”…
وأن هناك معجزات تحققت…
في وقت تُحذر فيه التقارير الدولية والوطنية من تفاقم المؤشرات الكارثية، فيما يتعلق بالبطالة، والهدر المدرسي، ونِسب الديون، وتنامي مسببات السخط الاجتماعي.
هذا دون الحديث عن تردي المستوى المعيشي للمغاربة..
وغرق القطاعات الاجتماعية، وتغوّل الفساد، وتنامي الاحتكار والريع.
اليوم، ورغم كل المليارات التي طارت كدعم لاستيراد الأغنام والأبقار (1.3 مليار دولار)، والمليارات التي صُرفت كدعم للعلف والحفاظ على إناث الأغنام والماعز ( أزيد من مليار دولار )..
ورغم إلغاء شعيرة الذبح في عيد الأضحى… وارتفاع عدد القطيع بـ16 مليون رأس..
ورغم مليارات الأمتار المكعبة التي هطلت على جميع الأقاليم…
رغم كل هذا قفزت أسعار اللحوم من جديد إلى 120 درهمًا للكيلوغرام، في معادلة لا علاقة لها بالعرض والطلب…
نحن أمام طلاسيم رموزها عند الفراقشية، الذين كبروا في حضن الحكومة..
ورضعوا بسخاء من ثدي الدعم السخي، ليتحكموا في مفاصل السوق وينفخوا في الأسعار كما شاءوا، دون حسيبٍ ولا رقيب.
من حق المغاربة، إذن، أن يفقدوا ثقتهم في سياسيين يصنعون الوهم ويعيشون فيه… ويحاولون فوق ذلك إقناع الرأي العام باعتناقه..
هذا بدل التحلي بخطاب واقعي قريب من الشارع وانتظاراته المتراكمة التي تم كبتها بعد خمود احتجاجات جيل زيد وتقديم مئات الشباب للمحاكمة..
انتظارات لم تعد تحتمل لا التأجيل ولا الحلول الترقيعية التي دأبت عليها الحكومة رضوخًا لإملاءات المقرضين الكبار.
لكل هذا لن نلوم التلميذ النجيب لأخنوش على ما يرمي به في وجوهنا من فقاعات بعد كل مجلس حكومي…
فالرجل اتضح، في أكثر من مناسبة، أنه يجتهد فقط للحفاظ على موقعه، ما دام العرف هو أن خطاب الحكومة عن المعجزات… ليس هو “تخراج العينين” الذي يميز خطاب المعارضة.
الواقع أن من يستحق اللوم الشديد.. هو هذا الزمن السياسي الرديء الذي وصلنا إليه..
زمن جعل المغاربة في مواجهة نخب تتناوب على التنكر لهم في كل مرة…
وفوق ذلك تطلب منهم، بدعوى الواجب الوطني، أن يختاروا مجددًا من سيجلس بالقرب من مائدة السلطة ليأكل السحت من فٌتاتها.
نحن تمامًا كمن يُفرض عليه الاختيار بين الطاعون… والكوليرا….