الانتفاضة $$ بقلم: حسن بنسعود رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان لشيشاوة
لم تكشف بطولة كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب عن حدود المنافسة الرياضية فقط، بل سلطت الضوء بشكل غير مسبوق على هشاشة المنظومة الإعلامية الوطنية. فالنجاح التنظيمي والاعتراف الدولي الواسع لم يترجما حضورًا إعلاميًا متماسكًا يعكس صورة المغرب ويصون إنجازاته، بل وجد الرأي العام نفسه أمام حملات إعلامية معادية لم تواجه بخطاب وطني قوي ومنهجي، مما جعل المعركة تُحسم خارج الملاعب وفي الفضاء الإعلامي، حيث تُصنع الانطباعات وتُوجَّه الآراء.
غير أن تحميل المسؤولية للسياسات الرسمية وحدها لا يكفي. فالحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن جزءًا كبيرًا من الإعلام الوطني، الورقي والإلكتروني، لم يكن في مستوى الحدث، رغم استفادته من مليارات الدراهم من الدعم العمومي. المفارقة الصادمة أن هذا الدعم لم يُترجم إلى جودة مهنية أو قوة تحليلية أو حضور مؤثر في النقاش الإقليمي والدولي، وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول معايير توزيع الموارد وربط الدعم بالأثر الحقيقي.
لقد أظهرت التغطيات أن العديد من المنابر لا تزال تشتغل بمنطق العناوين السهلة والمحتوى السطحي، بعيدًا عن الصحافة التحليلية والتفسيرية التي تتطلب فهمًا معمقًا للسياق وإلمامًا برهانات الرياضة بوصفها مجالًا متقاطعًا مع السياسة والاقتصاد والدبلوماسية. إن الهجوم الممنهج على الإعلام الجاد، ومحاولات إفراغه من المحتوى وتشجيع الصحافة التافهة، هو ما يدفع الوطن ثمنه اليوم، في صورة ضعيفة أمام العالم وغياب صوت وطني قوي قادر على الدفاع عن الإنجازات.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتعميم أو التشهير، بل بتوصيف مهني واقعي يقرّ به عدد من الفاعلين في الحقل الصحفي. فبعض الممارسات الصحفية، التي يغلب عليها الطابع الإثاري أو غير المتحقق، لم تستطع مواكبة التطورات الميدانية المتسارعة، ولم تملك الأدوات اللازمة لتحويل الحدث إلى مادة تحليلية مرجعية تُخاطب الداخل والخارج بلغة رصينة ومقنعة.
وفي مقابل هذا الضعف، برز توجه رسمي نحو الرهان على المؤثرين، خاصة الأجانب، في استراتيجية تعتمد على الانتشار الظرفي لا على بناء التأثير المستدام. والمؤثر، مهما بلغت شعبيته، يظل فاعلًا فرديًا مرتبطًا بالحدث وبالمقابل المالي، ولا يمكن اعتباره بديلًا عن إعلام مؤسساتي مهني قادر على الاشتغال في لحظات الضغط وصياغة خطاب وطني متماسك.
المفارقة أن صحفيين مغاربة اشتغلوا ميدانيًا خلال البطولة، ودافعوا عن صورة بلادهم بإمكانياتهم الذاتية، دون اعتماد رسمي أو دعم يُذكر، في وقت استفادت منصات أخرى من امتيازات متعددة دون أثر ملموس على مستوى معركة الصورة أو مواجهة السرديات المعادية. وهو ما يؤكد أن الدعم المالي وحده لا يضمن جودة الأداء، بل يجب ربطه بالمسؤولية والكفاءة المهنية.
إن الإشكال الأساسي لا يكمن في حجم الدعم، بل في غياب رؤية استراتيجية واضحة تربط التمويل بالجودة والاحترافية والقدرة على الاشتغال وفق المعايير الدولية. فالدول التي نجحت في فرض حضور إعلامي عالمي لم تفعل ذلك بكثرة المنابر، بل ببناء مؤسسات قوية، تراكم مهني، ورؤية طويلة النفس.
المغرب اليوم مقبل على استحقاقات كبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030، وهي ليست مجرد منافسة رياضية، بل اختبار شامل في التنظيم، والصورة، والنفوذ الرمزي. ومن دون إعلام وطني قوي، مستقل، مهني، قادر على مخاطبة العالم بلغته ومنطقه، سيظل الوطن يدفع ثمن الفراغ الإعلامي، وستظل الإنجازات عرضة للتشويش أمام الروايات التي لا تخدم مصالح البلاد.
إن اللحظة الراهنة تستدعي شجاعة مزدوجة: شجاعة رسمية لإعادة النظر في السياسة الإعلامية ومعايير الدعم، وشجاعة مهنية داخل الجسم الصحفي للارتقاء بالممارسة، والقطع مع الرداءة، وبناء إعلام يليق بطموحات بلد اختار أن يكون فاعلًا إقليميًا ودوليًا، لا مجرد موضوع للتغطية.
التعليقات مغلقة.