الانتفاضة / سيداتي بيدا
لم تكن تعرف أن الوعد بالعمل قد يكون أول خطوة نحو الجحيـ.ـم.
فتاة مهاجرة، قاصر، بعيدة عن أهلها وبلدها، وجدت نفسها في مواجهة شبكة تعرف كيف تستغل الخوف والحاجة والوحدة.
وعدٌ بسيط بمستقبل أفضل كان كافيًا، وفق المعطيات التي كشفتها التحقيقات الإسبانية، لفتح الباب أمام رحلة انتهت بالاستغلال.
القصة التي أعلنت عنها الشرطة الإسبانية، الثلاثاء، ليست مجرد عملية أمنية لتفكيك عصابة إجراميـ.ـة، إنها حكاية مؤلمة تكشف كيف يمكن للإنسان، حين يفقد السند والحماية، أن يتحول في نظر تجـ.ـار البشر إلى رقم قابل للاستغلال وسلعة قابلة للبيع.
فالحرس المدني الإسباني أعلن عن تفكيك شبكة يُشتبه في قيامها بتجنيد مهاجرات قاصــ.ـرات من مراكز رعاية في جزيرة غران كناريا، ونقلهن إلى البر الرئيسي الإسباني وفرنسا، حيث تعرضت بعض الضحايـ.ـا، بحسب التحقيقات المعلنة، للاستغلال الجنسـ.ـي.
والأكثر إيلامًا أن إحدى الفتيات عادت من فرنسا إلى إسبانيا، قبل أن تكشف للمحققين أنها جُنّدت بعدما تلقت وعدًا بالحصول على عمل.
فأي مستقبل يمكن أن ينتظر طفلة تُغـ.ـرى بوظيفة، ثم تجد نفسها في قبضة شبكة إجراميـ.ـة؟ وأي منظومة حماية يمكن أن تتحدث عن النجاح، إذا استطاعت عصابـ.ـات الاتجـ.ـار بالبشر الوصول إلى قاصـ.ـرين يفترض أنهم موجودون داخل مؤسسات للرعاية؟
هنا لا تكفي البيانات الرسمية، ولا تكفي عناوين الأخبار المتحدثة عن “تفكيك شبكة”، فالمعركة الحقيقية تبدأ بعد سقوط المتهمين ليُطرح التساؤل الجليّ: من يضمن ألّا تتكرر المأساة؟ ومن يراقب مسارات القاصـ.ـرين؟ ومن يحاسب كل من سهّل الوصول إليهم أو استغل هشاشتهم؟
وتزداد القضية حساسية في ظل تصاعد الجدل الأوروبي حول الهجرة، خصوصًا بعد وصول مئات القاصــ.ـرين غير المصحوبين إلى سبتة عقب موجة عبور من المغرب، لكن القاصـ.ـر المهاجر ليس ملفًا سياسيًا، ولا ورقة في سجال انتخابي، ولا مجرد رقم في إحصائيات الحدود، إنه إنسان صغير يحمل خوفًا أكبر من عمره، ويحتاج إلى الحماية لا إلى الاستغلال.
وتجارة البشـ.ـر، مهما تغيرت أساليبها، تظل جريـ.ـمة بلا وجه إنساني، إنها تجارة تقوم على سحق الضعفاء وتحويل أحلامهم إلى قيود.
لذلك يجب أن تكون الرسالة حاسمة: لا تسامح مع من يتاجر بالقاصـ.ـرين، ولا حماية لمن يحمي المستغلين، ولا مكان للصمت عندما تتحول مؤسسات الرعاية إلى نقاط عبور نحو المجهول.
فالأطفال لا يحتاجون إلى وعود كاذبة.
إنهم يحتاجون إلى يد تحميهم… قبل أن تمتد إليهم يد الجريمـ.ـة.