الانتفاضة // محمد الشندودي
إليك الكلام مباشرة، دون تمهيد ولا مجاملة:
الدرجة العلمية التي تتكئ عليها لتتعالى على الناس، ليست شرفا، بل اختبارا فشلت فيه. فما جدوى لقب يسبق اسمك، إن كان لسانك يجرح، وسلوكك يهين، ونظرتك للبسطاء مليئة بالازدراء؟
تتحدث وكأنك فوق الناس، لا لأنك أعظم منهم فهما، بل لأنك أكثرهم ادعاء؛ تلوح بعلمك، بينما أول ما يسقط منك في كل احتكاك إنساني هو الأدب. والعلم الذي لا ينتج أدبا ليس علما، بل تضخما فارغا.
دعني أذكرك، لا من باب الوعظ، بل من باب المحاسبة:
في القرآن، لم يكن العلم يوما ذريعة للتكبر، وقصة موسى عليه السلام مع الخضر وضعت لتسقط وهم الاكتمال عند كل من يدعيه، نبي مرسل، ومع ذلك يتعلم ويصبر ويعترف بحدود معرفته. فبأي حق تنفخ صدرك وتحتقر الناس، وأنت لم تبلغ عشر هذا المقام؟
نحن لم نخلق لنتباهى، بل لنتكامل. خلقنا ليجبر بعضنا نقص بعض، لا ليشهر بعضنا شهاداته في وجه بعض. وقد قال الحكماء: العلم ثلاثة أشبار؛ من بلغ الأول تكبر، ومن بلغ الثاني تواضع، ومن بلغ الثالث علم أنه لا يعلم. فأي شبر تقف عنده أنت؟
كف عن استخدام العلم كسوط لغوي وأداة لإذلال الآخرين. فالعدوانية اللفظية، والسخرية من البسطاء، والتطاول على من هم دونك تعليما، لا تزيدك هيبة، بل تكشف هشاشتك. لأن من يملك الحجة لا يحتاج إلى الإهانة، ومن يثق في علمه لا يخشى الحوار.
تذكر هذا جيدا:
ملأى السنابل تنحني بتواضع،
والفارغات رؤوسهن شوامخ.
فإن لم يجعلك علمك أكثر تواضعا، فاعلم أنه لم يدخلك بعد. وإن لم يزدك احتراما للناس، فراجع نفسك، لا شهادتك.
والكلمة الأخيرة بلا التفاف:
إما أن يكون علمك جسرا بينك وبين الناس،
أو يكون جدارا يعزلك عنهم،
وفي الحالتين أنت من يختار.
التعليقات مغلقة.