الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
في مشهد أثار الكثير من الجدل والسخرية داخل الأوساط السياسية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وجد أحد البرلمانيين نفسه عاجزاً عن قراءة سطر قانوني بسيط خلال جلسة عامة بمجلس النواب، رغم استعانته بهاتفه الذكي لعرض السؤال البرلماني الذي كان يفترض أن يوجهه بكل سلاسة وثقة. الواقعة التي بدت للبعض طريفة، تحمل في عمقها دلالات مقلقة تتجاوز حدود التعثر اللغوي العابر، لتطرح أسئلة حقيقية حول مستوى النخب السياسية، ومدى احترام المؤسسة التشريعية للغة الرسمية للدولة، وللحد الأدنى من الكفاءة المطلوبة في العمل البرلماني.
فالبرلماني، الذي يفترض فيه الإلمام بالقوانين والنصوص التشريعية، لم يكن بصدد قراءة نص فلسفي معقد أو قصيدة شعرية عصية على الفهم، بل مجرد مقتطف قانوني بسيط باللغة العربية. غير أن الكلمات استعصت عليه، وتعثر لسانه بشكل أثار استغراب الحاضرين والمتابعين، خصوصاً أن الأمر يتعلق بممثل للأمة من المفروض أن يكون قادرا على التعبير السليم والتواصل الواضح داخل مؤسسة دستورية يفترض أنها تصنع التشريع وتناقش قضايا المواطنين.
الأمر لا يتعلق هنا بالتشهير بشخص بعينه أو السخرية من زلة لسان قد يتعرض لها أي إنسان، بل بمناقشة ظاهرة أصبحت تتكرر داخل الفضاء السياسي، حيث باتت الكفاءة اللغوية والمعرفية في مراتب متأخرة مقارنة بمنطق الولاءات الانتخابية والحسابات الحزبية الضيقة. فكيف يمكن لمواطن أن يثق في قدرة ممثله على مناقشة القوانين المعقدة وصياغة التعديلات التشريعية، إذا كان غير قادر على قراءة نص قانوني بسيط بطلاقة؟
الأكثر إثارة في هذه الواقعة أن البرلماني لم يعتمد حتى على ذاكرته أو قدرته على الارتجال، بل استعان بهاتفه الذكي لتسهيل المهمة، في دلالة واضحة على التحول الرقمي الذي دخل قاعات البرلمان. لكن التكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لا يمكنها أن تعوض ضعف التكوين أو محدودية الكفاءة. فالهاتف الذكي قد يساعد على الوصول إلى النصوص، لكنه لا يمنح صاحبه القدرة على الإلقاء أو الفهم أو التمكن من اللغة.
إن احترام اللغة العربية داخل المؤسسات الدستورية ليس ترفا ثقافيا، بل جزء من احترام الدولة ومؤسساتها وهويتها الدستورية. كما أن العمل البرلماني لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد حضور شكلي أو استعراض سياسي، بل مسؤولية تتطلب مستوى معرفيا ولغويا يليق بثقة المواطنين.
وإذا كانت الواقعة قد تحولت إلى مادة للتندر على مواقع التواصل الاجتماعي، فإنها في الحقيقة تكشف أزمة أعمق تتعلق بجودة النخب السياسية وآليات اختيارها، وهي أزمة تستحق نقاشا جديا يتجاوز الضحك العابر إلى مساءلة حقيقية حول صورة البرلمان ومكانته داخل المجتمع.
التعليقات مغلقة.