الانتفاضة // نور الهدى العيساوي
أثارت واقعة موثقة داخل ملعب مولاي الحسن جدلاً واسعاً تجاوز حدود المباراة نفسها، بعدما تحولت تصرفات فردية لأحد المشجعين إلى قضية رأي عام غذّتها سرعة التداول على منصات التواصل الاجتماعي. فقد أظهر مقطع مصور مشجعاً جزائرياً وهو يقوم بسلوك صادم داخل المدرجات، في مشهد اعتبره كثيرون منافياً لقواعد الذوق العام، خصوصاً أن المنشأة الرياضية المعنية تتوفر على مرافق صحية مخصصة للجمهور.
ولم يكن هذا الانتشار معزولاً عن سياق عام يتسم بحساسية عالية تجاه السلوكيات داخل الفضاءات الرياضية، إذ تحوّلت اللقطة من مجرد واقعة فردية إلى مادة للسخرية والاستنكار، وفتحت نقاشاً أوسع حول حدود التشجيع الرياضي والمسؤولية الفردية للجماهير أثناء التظاهرات الكبرى.
وفي أعقاب تداول المقطع، سارعت السلطات المختصة إلى التدخل، إذ جرى توقيف المعني بالأمر واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حقه، قبل ترحيله إلى بلده، وذلك في إطار الحرص على الحفاظ على النظام العام وصون حرمة الفضاءات الرياضية، باعتبارها أماكن يفترض أن تعكس قيماً قائمة على الاحترام والانضباط الجماعي.
غير أن قراءة هذه الواقعة لم تقتصر على بعدها الفردي، بل ربطها متابعون بسلسلة من التصرفات السلبية التي رافقت حضور بعض الجماهير خلال المنافسات، من احتكاكات واستفزازات وحوادث متفرقة، أعادت إلى الواجهة سؤال الثقافة الرياضية ومعنى الانتماء للمدرجات.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الدول المستضيفة، ومعها الجهات المنظمة، إلى إبراز قدرتها على تأمين تظاهرات رياضية في مستوى المعايير الدولية، تبرز مثل هذه السلوكيات كعناصر تشويش تختزل مجهودات تنظيمية كبيرة في مشاهد صادمة، سرعان ما تتصدر الفضاء الرقمي وتطغى على الجانب الرياضي والتنافسي.
وتعيد هذه الحادثة طرح إشكال أعمق يتجاوز واقعة بعينها، يتعلق بكيفية التوفيق بين الشغف الكروي واحترام القيم المشتركة داخل الفضاء العام، في زمن باتت فيه الكاميرا حاضرة في كل زاوية، وقادراً فيه أي تصرف فردي على التحول إلى صورة نمطية تُعمم وتُستغل خارج سياقها. وبين منطق المحاسبة الفردية وخطر التعميم، يبقى الرهان الأساسي ترسيخ ثقافة رياضية تجعل من المدرجات فضاءً للتشجيع المسؤول، لا مسرحاً لسلوكيات تفرغ الرياضة من معناها.
التعليقات مغلقة.