الانتفاضة // محمد الغايش
باتريس لومومبا… اسم خرج من قلب الكونغو ليصبح صرخة حرية في وجه واحدٍ من أقسى عصور الاستعمار.
وُلد في بدايات القرن العشرين، شابًا شديد الإيمان بوطنه، يؤمن أن الإنسان لا يُقاس بلونه ولا بمكانه، بل بحقه في أن يعيش حرًّا فوق أرضه.
بدأ كاتبًا وخطيبًا، ثم تحوّل مع الوقت إلى قائد شعبي، يجوب المدن والقرى، يزرع في الناس الثقة بأن الكونغو ليست مجرد مستعمرة على هامش العالم، بل وطن قادر أن يقف على قدميه.
وفي لحظة تاريخية فارقة، تصدّر لومومبا مشهد الاستقلال عام 1960، ليتحوّل إلى رمز وطني وإفريقي في آنٍ واحد.
كانت خطبه مشبعة بالكرامة، تصطدم بمصالح قوى كبرى لم تتقبل أن يغادر شعبٌ دائرة الهيمنة.
ومع تصاعد المؤامرات والانقسامات الداخلية، دفع لومومبا ثمن مواقفه باهظًا، لكن رحيله لم يُسكت الحكاية…
بل جعلها أكثر حضورًا. فقد بقي اسمه جزءًا من تاريخ نضال القارة السمراء ضد الاستعمار، كما ارتبطت قصته بمرحلة تاريخية لعبت فيها القاهرة في عهد جمال عبد الناصر دورًا داعمًا لحركات التحرر الإفريقية، ووفّرت الملاذ والمساندة لقيادات وأسرٍ تضررت من الصراعات السياسية، في سياقٍ إقليمي كان يربط بين قضايا الحرية في أفريقيا والعالم العربي.
ومع مرور الزمن، لم يبقِ لومومبا مجرد اسم في الكتب أو تمثال من البرونز شاخص في الميادين. فالذاكرة الشعبية وجدت من يجسّدها بين الناس…
هناك في المدرجات، يقف مشجع يرتدي ألوانًا صارخة ومعطفًا أصفر لافتًا، يرفع ذراعه بالطريقة نفسها التي خُلد بها القائد في التمثال.
لم يفعل ذلك من باب الغرابة أو لفت الانتباه، بل ليحوّل التشجيع إلى رسالة، والحضور إلى فعل وفاء. صار هذا المشجع رمزًا موازيًا شاهِدًا على أن النضال لا يموت ما دامت الأرواح تواصل حمله، وأن صورة القائد يمكن أن تعود إلى الحياة في جسد إنسان بسيط قرر أن يذكّر العالم بأن الحكاية لم تنتهِ بعد.
التعليقات مغلقة.