الانتفاضة
لا يكاد يُعلن عن مشروع لإعادة تهيئة أحد الشوارع الكبرى بمراكش، إلا وتُستهل البلاغات الرسمية بالعبارة نفسها: «تم إنجاز دراسات معمقة من طرف مكتب دراسات مختص». صيغة جاهزة توحي بالدقة والاحتراف، وتمنح الانطباع بأن النجاح مضمون سلفًا، خرائط مضبوطة، آجال محددة، ووعود كبيرة تُسوق للرأي العام، لكن ما إن ننتقل من الورق إلى الواقع، حتى تتبدد هذه الصورة المثالية.
على امتداد محاور رئيسية مثل شارع علال الفاسي، وشارع مولاي عبد الله، وطريق فاس، تبدو الأشغال متقطعة، الأرصفة غير مكتملة، المسارات غير متجانسة، الإنارة باهتة ، والإنجاز يسير بوتيرة تطرح أكثر من علامة استفهام.
هنا تتجلى بوضوح الفجوة بين ما تقترحه الدراسات النظرية وما يُنجز فعليًا على الأرض، فالدراسة، مهما بلغت جودتها، لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا حين تتحول إلى تنفيذ منسجم، متواصل، ومحكوم برؤية زمنية واضحة.
لا أحد ينكر ما يُنسب إلى مجلس العمدة من كفاءة في الكلام و الشعبوية و الحديث عن التخطيط وإعداد البرامج، ولا الجهد المبذول في إطلاق الأوراش الكبرى العشوائية، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعداد الملفات والدراسات، بل في القدرة على تدبير مرحلة التنفيذ، وضمان التنسيق بين المتدخلين، واحترام منطق الأولويات، خاصة عندما تكون المدينة مقبلة على استحقاقات كبرى بحجم كأس إفريقيا.
كان من الممكن، حتى مع تحديد آجال رسمية للإنجاز بعد البطولة، اعتماد مقاربة أكثر عقلانية، تنطلق من برمجة الأشغال في وقت كافٍ، وتُنجز المراحل الأساسية للشوارع الكبرى قبل الحدث، بما يضمن حدًا أدنى من الجاهزية الحضرية.
فالمدن التي تحترم مواعيدها الدولية لا تكتفي بالتخطيط، بل تُحسن تدبير الزمن، وتربط بين الرهان التنظيمي وصورة المدينة في أعين الزوار.
مراكش، باعتبارها وجهة سياحية عالمية، لا تُقيَّم عبر التقارير التقنية أو العروض المقدمة في قاعات الاجتماعات، بل من خلال ما يراه المواطنين والزوار على حد سواء: شارع منظم، رصيف مكتمل، حركة سير سلسة، وأوراش تُدار بوضوح وانضباط، كل تأخير في التنفيذ، وكل ارتباك في التنسيق، ينعكس مباشرة على الصورة العامة للمدينة.
التحضير لكأس إفريقيا يشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المدينة على تحويل التخطيط إلى إنجاز ملموس، وفرصة لإثبات أن مراكش قادرة على احترام المواعيد الكبرى، ليس فقط تنظيميًا، بل ميدانيًا أيضًا، كما أنه محطة أساسية لتمهيد الطريق نحو الرهان الأكبر: كأس العالم 2030.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ليس ما إذا كانت الدراسات قد أُنجزت، بل ما إذا كان التنفيذ سيرتقي إلى مستوى هذه الدراسات، وما إذا كانت الشوارع الكبرى ستظهر في حلة تليق بمدينة عالمية عند كل استحقاق قادم، فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بجودة الوثائق، بل بما يتحقق على الأرض، وبمدى انسجام التخطيط مع واقع المدينة وتطلعات ساكنيها.
في النهاية، المشاريع الكبرى لا تحتاج إلى نظرية بلا روح، ولا إلى تجربة بلا رؤية، بل إلى تنفيذ عقلاني يحول التخطيط إلى واقع ملموس، ويجعل من شوارع مراكش عنوانًا للتنظيم والاحتراف، لا مجرد أوراش مفتوحة تنتظر اكتمالها.
يتبع…
التعليقات مغلقة.