الانتفاضة // إلهام أوكادير
“سؤال محرج”
سألني أحد الأصدقاء عن رأيي بخصوص مهنة معينة، لكنني توقفت لفترة طويلة اليوم وأنا أفكر في الإجابة المناسبة لهذا السؤال الذي لم أكن انتظره، ليس لغرابته، بل لعدم وضوح وبروز إجابته، التي كانت تختبئ بين إجابات أخرى تحاول التعبير عن نفسها بطريقة ما، والتي جعلتني أقف عند مفترق طرق، لا أعلم مآل شعابه.
لقد أحسست وكأن قناعتي قد تجمّدت لبعض الوقت، بل وإلى حدود كتابة هذه الأسطر، متسائلة عن مدى وعي وقناعة ما يقوم به الأشخاص من اختيارات لتوجهات حياتية، قد تكون مكسباً جميلا، كما قد تكون قيدا بائساً.
ولن أُ طيل تفلسفي هذا كوني أعلم مدى فضولكم لمعرفة هذا التساؤل.
لقد فتحت صباح اليوم الثلاثاء صفحتي على الفيسبوك، لكي أتفقد جديد الأخبار الرائجة بين صفوف متابعي الفضاء الأزرق هذا، وما هو إلا وقت قليل، حتى انتقلت إلى صندوق الرسائل الواردة، لأفتحها و أجد من بينها رسالة تستفسر عن: رأيي بخصوص العمل الصحفي الذي أزاوله، وعن نصيحي الخاصة والصريحة، لمن يتطلّع إلى العمل في هذه المهنة التي تشتهر بكونها “مهنة المتاعب”.
لم يكن السؤال صعبا ولا معقداً، ولكنه كان يضع قناعتي وواقعنا المعاش على طاولة النقاش، أفأُنصِف حبي واحترامي الأبدي لهذه المهنة وأنا أجيب؟
هذه المهنة التي لم أجدها تحظى بما لطالما اعتقدته موجودا وبديهيا لسبب من الأسباب؟ أم أُنصف واقع الحال الذي يجعلنا نشعر في العديد من الظروف بأننا لا نكاد نمثل شيئاً يُذكر؟
هنا تكمن الحيرة، أ فأُجيب من منطلق التسمية، أم من منطلق ما نعيشه؟، أ أتصرف بموضوعية تامة وأُحدثه عن ما تعانيه مهنة الصحافة من مهانة و تأخّر وتعطّل، بالشكل الذي لم تُعرف به من قبل، وعن فقدانها لبريقها ورُقيّها وسلطتها ووزنها المعهود، أمام متغيرات تجارية وسياسية، جعلت من الضمير الصحافي عنصرا بائساً فقيراً أو خادماً للغير، لا مراقباً له، وعن نظرة الإزدراء و “قلة الشيء” و “قلة مايدار” التي يوصف بها الصحافي اليوم، بسبب تفوُّق سلطة المال والجاه على سلطة القلم، إلا من رحم ربّي وأراد له السلاك؟.
أ أُحدثه عن ما ثبُت من فساد أجهزة ولجان الصحافة الذين كنا نأمل فيهم خيراً، والذين يتحدّثون لغة التهديد والمناورة والسيطرة والنفوذ والحصار والعقاب والمحسوبية وغيرها، وكأنهم “مافيا” لا صحافيون، أ أُحدثه عن تعتُّر الوقوف على إطار قانوني مستقل لما يزيد عن السنتين، إطار يسمح بتنظيم مجلس صحافة يُعوّل عليه في تدبير هذا المهنة الشريفة القصد والمقصد؟.
أ أُحدّثه عن فساد أخلاق اللجنة الأخلاقية؟ أم عن قلة أدب المكلفين بمهمة التأذيب؟ أ أكتفي بالحديث عن تعثر البطاقات المهنية للعديد من الرجال والنساء الذين أُمتُصّت دماؤهم عبرالسنوات، من أجل الحصول على بطاقة تعترف بمهنتهم، و يكتب عليها اسمهم وصفتهم كصحفيين مهنيين، بطاقة لا تتعدى مدتها السنة، بطاقة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ولا تفي سوى بغرض السماح له بمزاولة متاعبها؟.
أم أني أتغاظى عن كلّ ذلك وغيره، في سبيل الحفاظ على ما تبقى من ماء وجه العمل الصحافي، وعن الإعتبار الواهن الذي ما يزال يُكنّه لنا البعض عبر كلماتهم لا دواخلهم، لنقول بأننا بخير، وبأن القطاع واعد، وبأن متابعينا كثر، وأجرتنا ضخمة، وكلماتنا مسموعة، وتأثيرنا قوي، وما أحوج شعبنا وبلادنا ومؤسساتنا لنا، وأنّ لا غنى لهم عنّا؟
وللحديث بقية …
التعليقات مغلقة.