الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
في سياق الدينامية الوطنية التي يشهدها المغرب تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، يبرز ورش الجهوية المتقدمة باعتباره أحد أهم الخيارات الاستراتيجية الكفيلة بإرساء نموذج تنموي عادل ومتوازن. ومن هذا المنطلق، احتضنت مدينة مراكش أشغال اللقاء الثالث لرابطة الاقتصاديين الاستقلاليين، الذي خُصص لمناقشة موضوع “الجهوية المتقدمة من أجل حكامة ترابية أساسها الشفافية والتقائية السياسات العمومية وهدفها الإدماج الاجتماعي والاقتصادي من أجل مغرب بسرعة واحدة”، حيث شكل هذا اللقاء مناسبة لتشخيص واقع التنمية المجالية واستشراف آفاق بناء مغرب متوازن يضمن تكافؤ الفرص بين جميع جهاته.
وأكد المتدخلون خلال هذا اللقاء أن المغرب يعيش اليوم مرحلة مفصلية لم تعد فيها الجهوية مجرد ورش إداري أو تقني، بل تحولت إلى خيار سياسي وتنموي عميق يطرح سؤال العدالة المجالية وكيفية توزيع ثمار التنمية بشكل منصف بين مختلف الجهات. فالتحدي الحقيقي لم يعد مرتبطا فقط بتحقيق نسب النمو أو إنجاز المشاريع الكبرى، وإنما بقدرة هذه المشاريع على تحسين حياة المواطنات والمواطنين في مختلف ربوع المملكة، سواء في المدن الكبرى أو المناطق القروية والجبلية والنائية.

وشددت المداخلات على أن الخطاب الملكي السامي حسم بشكل واضح في ضرورة القطع مع فكرة “المغرب بسرعتين”، حيث أصبح مفهوم “مغرب السرعة الواحدة” توجها وطنيا يؤطر مختلف السياسات العمومية ويؤكد أن التنمية لا يمكن أن تظل متمركزة في جهات محددة دون غيرها. فرغم التقدم الذي حققته المملكة خلال السنوات الأخيرة، ما تزال الفوارق المجالية قائمة، إذ تتركز نسبة مهمة من الثروة الوطنية في عدد محدود من الجهات، بينما تستمر مناطق أخرى في مواجهة تحديات الفقر والهشاشة وضعف البنيات الأساسية والخدمات الاجتماعية.

كما تم التوقف عند واقع العالم القروي، الذي لا يزال يعاني من خصاص كبير رغم تعدد البرامج التنموية الموجهة إليه، وهو ما يكشف أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب المشاريع بقدر ما يرتبط بضعف الحكامة وعدم تحقيق العدالة في توزيع ثمار التنمية. وحتى داخل الجهة الواحدة، تظهر تفاوتات صارخة بين المدن المستفيدة من جاذبية الاستثمار وتطور الخدمات، وبين جماعات ما تزال تفتقر إلى الطرق والمستشفيات والمدارس والبنيات الأساسية الضرورية لضمان العيش الكريم.

واعتبر المشاركون أن استمرار هذه الفجوة المجالية ينعكس بشكل مباشر على الأوضاع الاجتماعية والنفسية لفئات واسعة من المواطنين، إذ يعمق الإحساس بالتهميش والإقصاء وغياب تكافؤ الفرص، مما يفرض إعادة توجيه السياسات العمومية نحو تحقيق عدالة ترابية حقيقية تجعل المواطن في صلب العملية التنموية، بغض النظر عن موقعه الجغرافي.

وفي هذا الإطار، تم التأكيد على أهمية الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي رُصدت لها اعتمادات مالية غير مسبوقة، بما يعكس تحولا نوعيا من منطق المشاريع المعزولة إلى رؤية تنموية مندمجة تقوم على التنسيق والتقائية السياسات العمومية بين مختلف المتدخلين. ويُنتظر من هذا التوجه أن يساهم في تعزيز النجاعة وتحقيق انسجام أكبر في تنزيل المشاريع وفق خصوصيات كل جهة وحاجيات ساكنتها.

كما أبرز اللقاء أن نجاح ورش الجهوية المتقدمة يظل رهينا بإجراء إصلاحات عميقة وشاملة تستجيب للتحديات الكبرى التي سبق أن حددها جلالة الملك، وعلى رأسها تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز اللاتمركز الإداري، وتدقيق اختصاصات الجماعات الترابية، إلى جانب تقوية الديمقراطية التشاركية وتحسين جاذبية الجهات للاستثمار المنتج، وتمكينها من آليات تمويل مبتكرة ومستدامة.
ولم يخف المشاركون قلقهم من استمرار اعتماد عدد من الجهات بشكل شبه كلي على الجبايات والاقتراض لتمويل مشاريعها، معتبرين أن هذا الوضع يفرض البحث عن حلول جديدة تضمن الاستقلالية المالية للجهات وتخفف من تفاقم المديونية. كما دعوا إلى إحداث مراصد اقتصادية واجتماعية جهوية تعتمد على معطيات دقيقة تساعد على اتخاذ القرار وفق أسس علمية، فضلا عن ضرورة إرساء وظيفة عمومية جهوية قادرة على استقطاب الكفاءات والخبرات الضرورية لتنزيل هذا الورش الوطني الكبير.

واختُتم اللقاء بالتأكيد على أن بناء نموذج تنموي ناجح يقتضي توحيد الرؤية بين مختلف الفاعلين الترابيين والحكومة، لأن الجهة أصبحت اليوم الفضاء الأنسب لتحقيق التنمية المندمجة وضمان التقائية البرامج والسياسات العمومية، في أفق بناء مغرب يضمن الكرامة والعدالة المجالية وتكافؤ الفرص لجميع المواطنات والمواطنين.
