الانتفاضة // عبد الرحمان الغندور
في عمق الفضيحة التي عرت ما يسمى بلجنة الاخلاقيات في الممارسة الصحفية والإعلامية بالمغرب، حيث تم التبول على القانون، والتغوط على الأخلاق، يبرز سؤال أساسي كاختبار حقيقي لضمير المهنة واتجاهها. فعندما تتعارض الضرورات الأخلاقية مع النصوص القانونية، ويطرح سؤال: أيّهما يجب أن يحظى بالأولوية؟
يتبادر للذهن أنه سؤال لا يتعلق بالتنظير المجرد فحسب، بل يمسّ الممارسة اليومية للصحفي الذي قد يجد نفسه عند مفترق طرق، بين ما هو قانوني مسموح به، وما هو أخلاقي يجب الالتزام به.
يمثل القانون في هذا السياق الإطار الإلزامي الأدنى الذي ترسمه الدولة لتنظيم العمل الإعلامي. فهو يضع الحدود الواضحة، ويحظر التشهير ونشر الأخبار الكاذبة والتحريض على العنف، ويحدد العقوبات الرادعة لمن يتجاوز هذه الحدود. لا شك أن للقانون مزاياه؛ فهو يقدم معايير محددة يمكن الرجوع إليها في حال النزاع، ويوفر حماية قانونية للأطراف جميعاً، ويمنع الانزلاق نحو الفوضى بفعل التفسيرات الذاتية المطلقة. لكن الاعتماد على القانون وحده يحمل في طياته عيوباً جوهرية.
فالقانون غالباً ما يتأخر عن مواكبة التسارع التقني والأخلاقي، حيث تسبقه تطورات العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي بخطوات واسعة. والأخطر من ذلك، أنه في الأنظمة غير الديمقراطية، يمكن أن يتحول القانون من أداة للحماية إلى أداة للقمع، تُستخدم لتكميم الأفواه وتقييد الحريات تحت ذرائع شتى. وفوق ذلك كله، يركز القانون على “ما هو مسموح” و”ما هو ممنوع”، ولكنه لا يجيب على سؤال “ما هو الصواب؟”. فبإمكان منشور أن يصف حادثا ما، مصحوبا بصور مفجعة في إطار ما هو قانوني في معظم الأحيان، لكنه يتنافى مع الأخلاق التي تحتم مراعاة مشاعر الأهل واحترام كرامة الضحايا.
هنا تقف الأخلاق كبوصلة داخلية ترشد السلوك نحو معنى أسمى للخير والصلاح. إنها ذلك النداء الخفي الذي يدفع الصحفي إلى التحقق من المعلومة مرتين، ليس خوفاً من العقاب، بل سعياً للحقيقة. إنها التساؤل الدائم: “هل ينبغي لي نشر هذا الخبر؟” حتى لو كان ذلك مسموحاً به قانوناً.
تمتلك الأخلاق قدرة استباقية شاملة، فهي تدفع الصحفي إلى تجاوز الحد الأدنى الذي يفرضه القانون نحو فضاء الالتزام الطوعي بمعايير المهنة العليا. وهي تراعي النوايا والتداعيات الأوسع للعمل الإعلامي، وليس مجرد الامتثال الشكلي للنص. مصداقية الصحافي والمؤسسة الإعلامية ككل، هذا الرصيد غير الملموس الذي لا يقدر بثمن، والذي يُبنى على أساس متين من الثقة، وهذه الثقة لا تتأتى إلا من خلال الالتزام الأخلاقي المتجذر.
وعندما نضع كلا المفهومين على محك المقارنة، تتجلى لنا أولوية الأخلاق لأسباب حاسمة.
أولاً، الأخلاق هي الأصل والقانون هو الفرع؛ فالقوانين العادلة نفسها تستلهم مشروعيتها من قيم أخلاقية سامية كالعدل والحرية والكرامة. فقانون يقيد حرية التعبير باسم النظام العام، إذا ما تم استغلاله لقمع الرأي المخالف، يصبح قانوناً فاسداً لأنه انحرف عن مقصده الأخلاقي.
ثانياً، الأخلاق تسد ثغرات القانون الواسعة. ففي المساحات الرمادية التي لا يغطيها النص، مثل التعامل مع الشائعات أو حماية مصادر المعلومات الهشة، تظل البوصلة الأخلاقية هي المرشد الوحيد.
ثالثاً، مصداقية المهنة برمتها تتوقف على هذا الالتزام. فالجمهور قد يتغاضى عن هفوة إجرائية، لكنه لن يغفر أبداً خرقاً أخلاقياً ينم عن غياب للضمير، كالتلاعب بالصور أو تلفيق المقولات.
وأخيراً، فإن الهدف الجوهري للصحافة، وهو السعي نحو الحقيقة وخدمة المصلحة العامة، هو في جوهره قيمة أخلاقية سامية. وقد تتطلب هذه الغاية النبيلة في بعض الأحيان تحمل مخاطر قانونية، كما في حالات كشف الفساد الكبرى التي اعتمدت على تسريبات وثائق سرية، حيث كان الدافع الأخلاقي هو المحرك الأساسي.
غير أن هذا لا يعني إعلان القطيعة مع القانون، بل إن العلاقة بينهما يجب أن تكون تكاملية. فالقانون هو الأرضية الصلبة التي تمنع الانزلاق والسقوط في الهاوية، بينما الأخلاق هي الأفق الرحب الذي يضيء الطريق. فالصحافي الحقيقي هو من يستند إلى القانون كدرع يحمي حقه في العمل، ولكن يجعل من الأخلاق بوصلة ترشده في رحلته الشاقة للبحث عن الحقيقة وإيصالها.
وحين يضطر للاختيار في اللحظات الحرجة، فإن إيمانه بدوره في الدفاع عن كرامة الإنسان والمصلحة الجماعية هو الذي يجب أن يكون الحَكَم النهائي. فتاريخ الإعلام الزاخر يحفظ في سجله أسماء أولئك الذين ضحوا من أجل ما هو “صحيح” و”عادل”، وليس فقط أولئك الذين التزموا بما هو “مشروع” و”مسموح”.
وفي هذا الاختلاف يكمن الفرق الجوهري بين صحافة الواجب وصحافة المهنة.
التعليقات مغلقة.