شبهات إستغلال النفوذ وخروقات تعميرية بمراكش: ملف مصحة يثير الكثير من علامات الإستفهام

0

الانتفاضة // شاكر ولد الحومة

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو تعزيز الشفافية في تدبير قطاع التعمير، تُفَجّر معطيات جديدة ملفاً مثيراً للجدل، يتعلق بمشروع مصحة خاصة في طور الإنجاز، يُشتبه في كونه نموذجاً صارخاً لتداخل المصالح واستغلال النفوذ، وسط خروقات قانونية وتقنية، قد ترقى إلى مستوى تبديد ممتلكات عمومية.رخصة بناء تحت المجهر

ويتعلق الأمر بمشروع مصحة مكوّنة من طابق سفلي، أربع طوابق علوية، وطابقين تحت أرضيين، حصل على رخصة البناء رقم 284/2024 بتاريخ 21 مارس 2024، لفائدة شركة 2H IMMO SARL، المملوكة لشركة PREMIUM HOLDING، والتي يمثلها النائب الرابع لعمدة مراكش، “طارق حنيش”.

غير أن هذه الرخصة، بحسب معطيات متطابقة، لم تمر دون إثارة شبهات قوية، سواء من حيث مسطرة الترخيص، أو مدى احترامها للضوابط التعميرية الجاري بها العمل.

خروقات تعميرية واضحة

إن من أبرز التجاوزات المسجلة، عدم احترام المسافة التراجعية (recul) وقاعدة “la règle du prospect”، وهي من المبادئ الأساسية في تنظيم المجال العمراني.
ففي الوقت الذي تفرض فيه القوانين مسافة فاصلة لا تقل عن 18 متراً بالنسبة لبنايات من صنف (سفلي + 4 طوابق)، لم تتجاوز المسافة الفعلية بين المصحة والبناية السكنية المجاورة 6 أمتار فقط.

هذا الفارق الكبير لا يمثل مجرد مخالفة تقنية، بل يطرح تساؤلات جدية حول السلامة الصحية والبيئية للسكان، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشروع ذي طابع إستشفائي.إستغلال ممر للوقاية المدنية

الأخطر من كل ما سبق، هو ما تم رصده من إستغلال لممرٍّ خُصِّص بشكل رئيسي للوقاية المدنية داخل مشروع سكني مجاور، حيث تم تحويله إلى واجهة رابعة للمصحة، بل وفُتح باب خاص يُستعمل – حسب المعطيات – لاستقبال مرضى السرطان.

هذا التصرف لا يخرق فقط قواعد التعمير، بل يشكل تهديداً مباشراً لسلامة المواطنين، ويطرح مسؤولية الجهات التي سمحت بتغيير وظيفة مرفق حيوي مخصص للتدخلات الإستعجالية.

غياب موافقة وزارة الصحة

في خرق مسطري واضح آخر، تم الترخيص لهذا المشروع دون الحصول على موافقة وزارة الصحة، باعتبارها الجهة الوصية والمخول لها قانوناً الترخيص للمؤسسات الصحية.

هذا المعطى وحده، يعدّث كافياً للطعن في مشروعية هذه الرخصة، خاصة وأن المشاريع الصحية، تخضع لمسطرة دقيقة تتداخل فيها اعتبارات تقنية وصحية صارمة.

من مرفق عمومي إلى مشروع خاص

المثير في هذا الملف، هو أن العقار الذي يُقام عليه المشروع، كان مثخصّصاً بالأساس لمرفق عمومي (P10)، حسب تصميم التهيئة الخاص بالمحاميد الجنوبي المصادق عليه.

ورغم أن الدورية الوزارية المؤطرة لرخص الإستثناء بتاريخ 6 يوليوز 2010، تمنع بشكل صريح أي استثناء فوق عقار مخصص لمرفق عمومي، خاصة خلال فترة سريان إعلان المنفعة العامة (10 سنوات)، إلا أن المشروع استفاد من رخصة إستثناء سنة 2017.

الأكثر إثارة، أن هذه الرخصة مُنحت آنذاك لفائدة مستثمر آخر، قبل أن يتم تفويت العقار سنة 2022 إلى النائب المذكور، في سيناريو يختزل منطق “خيرنا ما يديه غيرنا”، قبل أن يتم إصدار رخصة البناء النهائية سنة 2024، رغم استمرار سريان مفعول إعلان المنفعة العامة.تضارب المصالح واستغلال النفوذ

تُطرح في هذا السياق إشكالية جوهرية تتعلق بتضارب المصالح، حيث أن المعني بالأمر يشغل منصباً منتخباً داخل المجلس الجماعي، ويمارس في الآن ذاته نشاطاً استثمارياً في نفس المجال الذي يخضع لسلطة القرار المحلي.

هذا التداخل يضع علامات استفهام كبيرة، حول مدى احترام مبدأ الحياد، ويعزز فرضية استغلال النفوذ، لتسهيل الحصول على تراخيص إستثنائية في ظروف غير متكافئة مع باقي المستثمرين.

أسئلة معلقة تنتظر أجوبة

أمام خطورة هذه المعطيات، تتعالى اليوم الأصوات المطالبة بفتح تحقيق إداري وقضائي لتحديد المسؤوليات، وترتيب الجزاءات اللازمة في حال ثبوت الخروقات، وهنا تطرح العديد من التساؤلات التي لا نجد مفرّاً عنها.
• من منح رخصة البناء رغم هذه التجاوزات الواضحة؟
• كيف تم تجاوز مسطرة موافقة وزارة الصحة؟
• من سمح باستغلال ممر الوقاية المدنية؟
• ولماذا لم يتم احترام تصميم التهيئة الذي يخصص العقار لمرفق عمومي؟

بين القانون والواقع

وهنا يمكننا القول وبحزم، أنّ هذا الملف، يبقى اختباراً حقيقياً لمدى جدية السلطات في جزئية فرض احترام القانون، وحماية المجال العمراني من العبث، خصوصاً في مدينة بحجم وأهمية مراكش.

فإما أن يتم تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، أو أن تتحول مثل هذه الملفات إلى سابقة خطيرة تُكرّس منطق الإفلات من العقاب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.