إسبانيا على الحافة..صعود اليمين المتطرّف يعيد فتح قبور التاريخ المغلقة

الانتفاضة

بعد خمسة عقود على وفاة الجنرال فرانثيسكو فرانكو، يعود إسمه ليتردّد في الأوساط السياسية و الإعلامية الإسبانية بشكل غير مسبوق، و كأنّ البلاد التي إجتهدت طويلًا في ترميم جراحها و تثبيت ديمقراطيتها تجد نفسها اليوم أمام موجة سياسية تعيد فتح ملفات الماضي التي ظُنّ أنّها طُويت.

فالصعود المتسارع لليمين المتطرّف، و ما رافقه من خطابات قومية حادة و مواقف تتقاطع مع الحقبة الديكتاتورية، بات يثير قلق شرائح واسعة من المجتمع الإسباني و يطرح سؤالًا وجوديًا حول مستقبل نموذجها الديمقراطي.

بحيث أنّ عودة هذا الخطاب ليست حدثًا معزولًا، بل هي جزء من موجة أوروبية أوسع وجد فيها اليمين المتطرّف فرصته للتمدد عبر إستغلال الأزمات الإقتصادية، و تفاقم الهجرة، و الشعور بالقلق من التحولات الإجتماعية.

غير أنّ خصوصية الحالة الإسبانية تتمثل في أنّ الذاكرة الجماعية ما زالت مثقلة بثقل الديكتاتورية السابقة، حيث لا تزال آثارها مرئية في المؤسسات و الخطاب العام وحتى في الأماكن التي تحمل بصمات المرحلة الفرنكوية.

من هنا، فإنّ بروز أحزاب تستحضر الرموز القومية القديمة و تستخدم لغة تتقاطع مع خطاب الماضي يُعدّ تطورًا يبعث على القلق و يدفع كثيرين إلى التساؤل عمّا إذا كانت إسبانيا تقف على أعتاب إعادة تقييم مؤلمة لتاريخها.

بعض المحللين يُرجعون هذا الصعود إلى شعور قطاعات من المجتمع بأنّ النظام السياسي التقليدي لم يعد قادرًا على تلبية تطلعاتهم، فضلًا عن حالة الإنقسامات الإقليمية التي بلغت ذروتها مع الأزمة الكتالونية، ما خلق تربة خصبة للخطابات الشعبوية التي تَعِدُ بالحسم و الإعادة الصارمة لهيبة الدولة.

و مع كل إنتخابات تزداد هذه القوة التصويتيّة، الأمر الذي يدفع الأحزاب التقليدية إلى الإقتراب أكثر من خطاب اليمين المتشدد، في محاولة لإحتواء النزيف الإنتخابي، و هو ما يؤدي عمليًا إلى توسيع الهامش الذي يتحرك فيه هذا الخطاب.

القلق في إسبانيا اليوم لا ينبع فقط من صعود حزب أو تراجع آخر، بل من إمكانية تشكّل بيئة سياسية يُعاد فيها تطبيع رموز و سرديات كانت تُعدّ من المحرّمات لعقود طويلة.

فعودة الخطاب الذي يحنّ إلى “الإنضباط” و “النظام” و “الهوية القومية الصافية” تذكّر الكثيرين بما عاشته إسبانيا خلال الحقبة الفرنكوية، و تثير خشية من انزلاق النقاش العام نحو إستقطاب حاد يعيد إنتاج مناخات الماضي.

في المقابل، لا تزال القاعدة الديمقراطية في إسبانيا قوية، مدعومة بنشاط مدني وثقافي واسع، ووعي جمعي تشكّل عبر تجارب مؤلمة دفع خلالها الإسبان ثمنًا باهظًا للاستبداد. ورغم ذلك، فإنّ مواجهة هذا الصعود تتطلب أكثر من الاعتماد على ذاكرة التاريخ؛ فهي تحتاج إلى معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي تدفع جزءًا من المجتمع إلى الارتماء في أحضان الطرح المتطرّف.

هكذا تقف إسبانيا اليوم أمام لحظة حساسة تتقاطع فيها ظلال الماضي مع تحديات الحاضر، ويبدو أنّ المعركة الحقيقية لا تدور فقط في صناديق الاقتراع، بل في الوعي الجمعي وقدرة المجتمع على حماية تجربته الديمقراطية من منزلقات الخطاب المتطرّف الذي، وإن بدا جديدًا في شكله، فإنّ جذوره تمتد إلى أشد فترات التاريخ قتامة.

التعليقات مغلقة.