الانتفاضة/ محمد السعيد مازغ
لله دَرُّك أيها المتقاعد… تنكّرت لك الحكومات تباعًا بعد أن أفنيتَ عمرك في خدمة الوطن والمجتمع. يوم كنتَ في عنفوان شبابك، تُجاهد وتُثابِر، تُخلِص وتتفانى من أجل الصالح العام، لم تكن تنتظر جزاءً ولا شكورًا.
لكن حين وهن العظم، وانحنى الظهر، وتجاوزتَ عتبة الستين، تجاهلوك، وتركوك تُصارع هشاشة الوضع، ووطأة المرض المزمن، وقهر الزمن الذي لا يرحم… غلاء المعيشة يطوّقك، والأسعار تلتهب، والخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية تبقى وعودًا مؤجلة، رغم أنك من أبناء هذا الوطن الذين صنعوا نهضته بعرقهم وتضحياتهم… لا النقابات المهنية التي بُنيت على أكتاف المناضلين ساندتك في محنتك، ولا الحكومات المتعاقبة أنصفتك أو أعادت الاعتبار لملفك المطلبي المشروع، الذي تآكل في الرفوف بفعل التماطل والتسويف والتواطؤات. لم يبق أمام المتقاعدين سوى الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات والبيانات والندوات الصحفية، لإسماع صوتٍ يبدو كأنه يغرد في صَربٍ، بينما الجهات الرسمية في صَربٍ آخر. إنها معاناة تتضاعف يومًا بعد يوم، وتعمّق فجوة الألم، وتُولّد خيبات تُصيب أصحابها بانتكاسات نفسية، وتزرع فيهم شعورًا بالخذلان وفقدان الثقة في شعارات الكرامة والعدالة الاجتماعية.
لقد آن الأوان لأن يُعاد الاعتبار للمتقاعد، وأن تُفتح ملفات الإنصاف الاجتماعي بجدية ومسؤولية. فتكريم من خدموا الوطن ليس ترفًا، بل هو واجب وطني وأخلاقي. إن تحسين أوضاعهم المعيشية، وتوسيع استفادتهم من الحماية الاجتماعية، وضمان كرامتهم بعد التقاعد، هو أقل ما يمكن أن يُقدَّم عرفانًا لتضحياتهم ووفاءً لمسارهم الطويل في خدمة الصالح العام.
التعليقات مغلقة.