الانتفاضة // أمين انقيرة
صدر ضمن منشورات المركز الثقافي الكنتي بالعيون- للباحثين المغربيين الدكتور “أمين انقيرة” والدكتور “ياسين بن روان” بحث في مجلدين بعنوان: “المسيرة الخضراء ومظاهر التلاحم بين الملك والشعب خمسون عاما من الرقي والإزدهار”.
وافتتح هذا العمل بإهداء لأمير المومنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله ونصره.
وقد أبرز البحث أن المملكة المغربية الشريفة تحتفل بكل فخر وسرور وبكل وطنية صادقة اليوم بمرور خمسين عاما من المسيرة الخضراء المظفرة التي أطلقها مبدعها وقائدها جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه يوم 06 نونبر 1975م، والتي جسدت التلاحم القوي والوثيق بين العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الوفي كما حدث في ثورة الملك والشعب، فالمغاربة كابرا عن كابر جيلا عن جيل محبون للعرش العلوي المجيد، ملتزمون بمقتضيات البيعة الشرعية، محبون للجناب النبوي الشريف صلى الله عليه وسلم، ومن تجليات حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، التزامهم وحبهم للشرفاء العلويين أسباط النبي الأمين.
وقد افتتح جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه خطاب إنطلاق المسيرة الخضراء من مدينة أكادير بقوله تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله)، والعزم والتوكل على الله من صفات المؤمن الصادق القوي، وهذا الشاهد القرآني الذي افتتح به مولانا أمير المؤمنين الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه فيه دلالة إيمانية ونفحة ربانية، والتزام بما جاءت به الشريعة الإسلامية ومقاصدها السامية في ضرورة السعي مع التوكل على الله تعالى، لذلك نجد جلالة الملك الحسن الثاني يقول موضحا هذا التوكل الإيماني على الله تعالى بقوله: ” فعلا شعبي العزيز لقد عزمنا وعزمنا جميعا ككل مرة في التاريخ، قررنا أن نعزم عزمنا وقررنا أن نسير بمسيرة سلمية خضراء مدعمين بحقوقنا، محاطين بأشقائنا ورفاقنا، معتمدين قبل كل شيء على إرادتنا وإيماننا.
وما كدنا نعلن نبأ المسيرة، شعبي العزيز، حتى وجدنا فيك من الاستجابة ومن الطاعة ومن التسابق إلى الخير ما أنت مجبول عليه من تلك الخصال الحميدة الشريفة التي جعلت منك وستبقى تجعل منك تعطي دروسا وتلقن دروسا، منضدا في كتب التاريخ وسجلاتها كمثل يحتذى وكعشب يمكن أن يتخذ مثالا أمثل.”
لذلك كان الخطاب الملكي السامي شحنة قوية لجميع المشاركين، وعددهم 350 ألف، منهم 35 ألف امرأة تجسيدا لمقاربة النوع، وإشارة صريحة لكون المرأة شريكا أساسيا للرجل في بناء المغرب، مغرب الخير والمحبة، مغرب السلم والسلام، والأمن والأمان، والتعايش والتسامح.
لقد حطمت القيود والحدود بأقدام أجدادنا رحمهم الله، إنه جيل أخذ على عاتقه تحرير الصحراء المغربية واسترجاعها إلى أرض الوطن الحبيب الذي بني بسواعد، وقد أشار جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه إلى شوقه وشوق المغاربة كلهم إلى صلة الرحم مع إخوانهم من أهل الصحراء المغربية وإلى لمس رمالها الذهبية الغالية علينا جميعاً، وفي ذلك يقول طيب الله ثراه: ” غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة، غدا إن شاء الله ستطالون أرضا من أراضيكم، وستلمسون رملا من رمالكم وستقبلون أرضا من وطنكم العزيز.”
وقد استحضر البحث جملة من القيم الدينية والوطنية والإنسانية التي واكبت المسيرة الخضراء وجسدها المغاربة كلهم، ومنها:
أولا: دلالة الاسم
فاختيار أن تكون خضراء ليس مجرد وصف لها اعتباطا، بل لما يحمل هذا اللون من دلالات دينية ورمزية في الهوية الإسلامية، فهو اللون الذي يعرف عند الشرفاء آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اللون الذي يزين قبة مسجد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو اللون الذي فيه الخير، كما ورد في سورة يوسف عليه السلام عندما وصف ملك مصر السنبلات بالخضر.
ثانيا: دلالة التوكل على الله تعالى
فقد أكد جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه على ضرورة التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب اقتداء بجده المصطفى صلى الله عليه وسلم أثناء نشره للدعوة الإسلامية في الفترة الجهرية بمكة والمدينة.
ثالثا: الالتزام بمقتضيات إمارة المؤمنين
وتجلى ذلك من خلال طاعة أمير المؤمنين والسمع له، يقول جلالة الملك في ذلك: “شعبي العزيز، عليك أن تعلم أن هذه المرحلة من المسيرة ليست كسابقتها، هذه المرحلة تستلزم منك ضبطا أكبر ونظاما أكثر. فعليك أن تكون معطيا سامعا للذين هم يؤطرونك حتى يمكننا أن نسير بمسيرتنا إلى الهدف المطلوب.
ثالثا: شعبي العزيز: كما قلت لك في خطابي الأول: إذا ما لقيت اسبانيا كيفما كان ذلك الاسباني، عسكريا أم مدنيا، فصافحه وعانقه واقتسم معه مأكلك ومشربك وأدخله مخيمك، فليس بيننا وبين الاسبان غل ولا حقد، فلو أردنا أن نحارب الاسبان لما أرسلنا الناس عزلا بل لأرسلنا جيشا باسلا ولكننا لا نريد أبدا أن نطفي ولا أن نقتل ولا أن نسفك الدماء بل نريد أن نسير على هدى وبركة من الله في مسيرة سلمية.
فعانق إخوانك وأصدقاءك الاسبانيين عسكريين كانوا أم مدنيين، وإن أطلقوا عليك نارا فتسلح بإيمانك وتسلح بقوتك، وزد في مسيرتك فلن ترى في آخرها إلا ما يرضيك ويرضى راحتك، وراحة ضميرك.”
ومن تجليات القيم الوطنية أيضا التضامن بين أفراد الشعب المغربي، والوطنية الصادقة والإيجابية لجميع المغاربة الذين لبوا نداء أمير المؤمنين طيب الله ثراه في ذلك الوقت.
ومن مظاهر القيم الإنسانية قيم التسامح والتعايش والسلم، فقد ارتضاها جلالة الملك مسيرة خضراء سلمية، فكانت سلمية منظمة أعطت للعالم رقي وحضارة المغرب عرشا علويا مجيدا وشعبا مغربيا وفيا.
فالكتاب الذي بين أيدينا وثق لحدث المسيرة الخضراء وقام باستقراء للخطب الملكية السامية منذ 1975 إلى 2024م، مع بيان دور إمارة المؤمنين في المغرب في حراسة الدين وسياسة الدنيا ولم الكلمة وجمع المغاربة على كلمة السواء، وحثهم على الوفاء لملكهم ولوطنهم والتضحية من أجله، وهذا ما حصل في عدة محطات تاريخية حاسمة وثقتها منذ تأسيس الدولة العلوية الشريفة على يد مولاي علي الشريف إلى الآن عهد مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وقد أثبت التاريخ دائما العلاقة الوثيقة بين العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الوفي، هذه العلاقة القائمة على أساس البيعة والوفاء والحب والاحترام والتقدير.
وإن الذكرى الخمسين لذكرى المسيرة الخضراء لهي يوم من أيام الله التي وفقنا الله تعالى لاستحضار قيمها وتجلياتها، فهي إرث مغربي مشترك يحفظ الذاكرة المغربية ويؤرخ لحدث قل نظيره في العالم.
وفيما يلي نظرة موجزة عن أهم مضامين فصول الكتاب السبعة، فقد تم تخصيص الفصل الأول: لمفهوم إمارة المومنين ودورها في حفظ الملة والدين، والفصل الثاني: خصص للسيادة المغربية على الصحراء من خلال الوثائق السلطانية، في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي، والمولى سليمان، ومولاي عبد الرحمن بن هشام، و السلطان محمد الرابع، و المولى الحسن الأول، ومولاي عبد العزيز ، ومولاي عبد الحفيظ ، والسلطان محمد الخامس، والملك الحسن الثاني، كما تناول بالحديث البيعة لأمير المومنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله ونصره.
وتم استعراض جملة من تعيينات السلاطين العلويين لشيوخ وعلماء الصحراء المغربية خلال عهد الدولة العلوية الشريفة، مع ذكر نص الرسالة العجالة الرائقة في العمالة للشيخ سيد المختار الكنتي الصغير. واختتم هذا الفصل بنماذج من الوثائق والظهائر السلطانية الموجهة لعلماء وشيوخ الصحراء المغربية.
أما الفصل الثالث: فتم تخصيصه للحديث عن الملك الحسن الثاني مبدع المسيرة الخضراء: حيث تضمن الحديث عن تنظيم الملك الحسن الثاني للمسيرة الخضراء، مع إبراز مستندها في القرآن والسنة، واستلهامها من أحداث السيرة النبوية، واستحضار الإلهام الرباني والتدبير الحسني لهذا الحديث العظيم في تاريخ المغرب، وتم الوقوف مع نص الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الحسن الثاني من مدينة أكادير إلى الشعب المغربي وإلى المتطوعين بطرفاية للانطلاق في المسيرة الخضراء، ليختتم الفصل بالآصرة الخالدة بين جلالة الملك الحسن الثاني وشعبه.
أما الفصل الرابع: فخصص لبيان مظاهر التلاحم بين الملك والشعب، من خلال حدث المسيرة الخضراء المظفرة، وذلك من خلال عدة عناصر أهمها: تجسيد الترابط القوي بين الملك وشعبه، ثم إمارة المومنين والخصوصية المغربية الفريدة، ثم العهد المحمدي الزاهر والتنمية المستدامة، ثم نظام البيعة الشرعية وأثرها في تحقيق الأمن الروحي والتنموي، ثم تجسيد قيم التضامن والوفاء لهذا الوطن العزيز، وأخيرا التعلق الروحي والوجداني والثقافي بالصحراء المغربية.
أما الفصل الخامس: فتناول الحديث عن الصحراء المغربية خلال العهد المحمدي الزاهر: من خلال معطيات أهمها: كون الصحراء المغربية في صلب اهتمامات أمير المومنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله، ثم النموذج التنموي الجديد بالصحراء المغربية، وأخيرا خطب جلالة الملك محمد السادس نصره الله في ذكرى المسيرة الخضراء المظفرة: من سنة 2000 إلى سنة 2024.
أما الفصل السادس: فخصص للحديث عن الصحراء المغربية على المستوى الدولي والسياسي.
والفصل السابع: للحديث عن رقي وازدهار الصحراء المغربية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والرياضي.
واختتم الكتاب ببرقية ولاء وإخلاص مرفوعة للسدة العالية بالله مولانا أمير المومنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله ونصره.
وقد قدم للعمل فضيلة الدكتور سيدي حبيب الله الكنتي رئيس المركز الثقافي الكنتي بالعيون الذي أبرز بدوره أهمية الاحتفال بالمناسبات الدينية والوطنية، مؤكدا على أهمية هذا الكتاب باعتباره مرجعا أساسيا في التوثيق واستقراء أحداث المسيرة الخضراء، مسيرة البناء والتشييد والعطاء والازدهار، لاسيما بعدما استكمل المغرب وحدته الترابية بعد استرجاع واد الذهب عام 1979م وبيعة أهل الداخلة لجلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه. حيث استمرت المسيرة في الصحراء المغربية منذ عودتها للوطن بالبناء والتنمية والاهتمام بالإنسان والبنيان والعمران، لاسيما بعدما أطلق مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية.
حفظ الله مولانا أمير المومنين، وحامي حمى الملة والدين، جلالة الملك محمد السادس وأدام عزه ونصره، وأدامه لهذا الوطن منارا عاليا وسراجا هاديا، وأبقاه ذخرا وملاذا لهذه الأمة، وأقر عين جلالته بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير الجليل المولى الحسن، وشد عضده بصنوه السعيد مولاي رشيد، وفي كافة أسرته الملكية الشريفة، إنه سميع مجيب.
ورحم الله الملكين الجليلين المجاهدين؛ مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، وطيب ثراهما، وجعل روحيهما في أعلى عليين مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين.
التعليقات مغلقة.