الانتفاضة
في عمل أدبي جديد يثير الجدل و الإهتمام، تعود الكاتبة و الصحافية الأمريكية من أصل روسي جوليا إيوف لتغوص في أعماق التاريخ النسوي الروسي من خلال كتابها “Motherland” أو “الوطن الأم”، الذي قادها إلى الترشح لجائزة الكتاب الوطني الأمريكية.
العمل ليس مجرد دراسة للتاريخ، بل هو رحلة بحث مؤلمة عن جذور القوة الأنثوية في بلد إعتاد إخفاء قصص نسائه خلف ستار السلطة و الإيديولوجيا.
إيوف، المعروفة بتحليلاتها العميقة للمشهدين الروسي و الأمريكي، تفتح في هذا الكتاب نافذة على الماضي الذي طمسته السياسة و الرقابة.
فهي تعيد إحياء أصوات نساء تحدين القهر الإجتماعي و الهيمنة الذكورية، و ساهمن في صياغة وعي سياسي و فكري ظلّ مجهولًا حتى بين الروس أنفسهم.
من خلال مزيج من السرد الشخصي و البحث التاريخي، تستعيد الكاتبة لحظات فارقة من تاريخ الحركة النسوية في روسيا منذ العهد القيصري مرورًا بالحقبة السوفياتية وصولًا إلى الحاضر المليء بالتناقضات.
و ترى إيوف أن ما يميز التجربة النسوية الروسية هو هشاشتها الدائمة أمام التغيرات السياسية، إذ إن كل مكسب تحققه النساء سرعان ما يُنتزع منهن مع تبدل موازين السلطة.
ففي العهد السوفياتي مثلًا، إستُخدمت شعارات المساواة لتلميع صورة النظام، لكن الواقع ظلّ حبيس البنى الأبوية القديمة. أما في روسيا المعاصرة، فتعتبر إيوف أن النساء ما زلن يخضن معارك يومية ضد مجتمع محافظ يرفض الإعتراف بمشاركتهن الكاملة في الحياة العامة.
الكتاب لا يقتصر على إستحضار الماضي، بل يطرح سؤالًا جريئًا حول المستقبل : هل يمكن لروسيا أن تستعيد إرثها النسوي المفقود وسط صعود القومية و التشدد السياسي ؟ بالنسبة لإيوف، الجواب مشروط بقدرة المجتمع على مواجهة خوفه من التغيير، و بإصرار النساء على إنتزاع مكانتهن لا كمجرد رموز، بل كصانعات لمصير وطن يبحث عن ذاته.
“الوطن الأم” هو، في جوهره، شهادة على نضال الذاكرة ضد النسيان، و على معركة مستمرة تخوضها النساء في كل زمن و مكان من أجل أن يُسمع صوتهن بعيدًا عن ضجيج السلطة.
بهذا العمل الجريء، تؤكد جوليا إيوف أن كتابة التاريخ ليست مجرد توثيق لما كان، بل محاولة لإنقاذ ما لا يزال يستحق الحياة.
التعليقات مغلقة.