الانتفاضة / سيداتي بيدا
لم تكن المدرسة العمومية يوم الاقتراع مجرد عنوان على لائحة مراكز التصويت، بل تحولت، من حيث لا يريد كثيرون، إلى شاهد صامت على ما تخفيه الخطب الانتخابية.
دخل السياسيون إلى الأقسام بحثاً عن صناديق الاقتراع، لكن جدران المدرسة كانت تحمل أسئلة أكثر قسوة من كل الأسئلة التي تُطرح أمام الكاميرات: أين ذهب الإصلاح؟ أين ذهبت الوعود؟ ومن المسؤول عن مؤسسات يفترض أن تصنع مستقبل الأجيال بينما تكافح بعضها من أجل أبسط شروط الاستقبال والتعلم؟
هناك، لا تحتاج إلى تقرير طويل كي تدرك حجم المفارقة. يكفي أن تنظر إلى قسم دراسي أنهكته السنوات، أو نافذة لا تؤدي وظيفتها، أو تجهيزات مدرسية استهلكها الزمن، لتكتشف أن معركة التعليم لا تزال بعيدة عن نهايتها.
الأخطر أن هذه الصورة لا تظهر في المؤتمرات الحزبية، ولا في المنصات المزينة بالشعارات، ولا في الخطابات التي تتحدث بلغة الأرقام والإنجازات. تظهر في المكان الأكثر بساطة داخل فصل يجلس فيه طفل ينتظر أن تمنحه المدرسة فرصة لا أن تذكره كل يوم بحجم الفوارق الاجتماعية.
في يوم الانتخابات، تستعيد المدرسة فجأة قيمتها السياسية. تتحول أبوابها إلى ممرات للشخصيات والناخبين، وتصبح أقسامها فضاءً لحدث وطني كبير. لكن بمجرد انتهاء الاقتراع، يعود كل شيء إلى مكانه؛ تغادر الصناديق، وتنتهي الصور، وتُطوى الشعارات، بينما يبقى التلميذ داخل المؤسسة نفسها، ينتظر إصلاحاً لا يأتي بالسرعة ذاتها التي تأتي بها الحملات الانتخابية.
وهنا لا يتعلق الأمر بحزب دون آخر، ولا بشخص دون غيره، بل بسؤال أكبر من الحسابات الانتخابية
هل أصبحت المدرسة العمومية أولوية فعلية أم مجرد فضاء انتخابي مؤقت؟
إن المسؤول المنتخب لا يُختبر فقط أمام صندوق الاقتراع، بل أمام المدرسة والمستشفى والطريق والحي والقرية. فالسياسة التي تطلب ثقة المواطن مطالبة، في المقابل، بأن تمنحه نتائج ملموسة.
ولا يمكن بناء مجتمع متماسك بمدرسة تترك بعض أبنائها على هامش الفرص. ولا يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص بينما تختلف شروط التعلم باختلاف المكان والوضع الاجتماعي.
لقد غادرت صناديق الاقتراع المدارس، لكن الأسئلة بقيت معلقة على الجدران.
فهل يعود أصحاب القرار إلى تلك المدارس بعد الانتخابات، لا لالتقاط الصور، بل لمعاينة الخلل، ومساءلة المسؤولين، ورصد الميزانيات، ومتابعة الإصلاح حتى النهاية؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي.
فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، أما امتحان المدرسة العمومية فلا ينتهي أبداً.
ومن ينجح في كسب الأصوات، عليه أن يثبت بعد ذلك أنه قادر على كسب معركة المستقبل.