الإنتفاضة
في المغارة الفنية التي طالما إمتلأت بأسرار و أصوات مكبوتة، خرج المسرح المغربي من خلف ستائره ليواجه ما هو مسكوت عنه. لم يعد الفن مجرد ترفيه يراعي الخطوط الحمراء للتقليد أو الحشومة المتعارف عليها، بل صار ساحة تصالح مع الواقع و شهادة على أن الصمت لم يعد خيارًا.
پِــرِـوضٌ تتناوله المسرحيات الجديدة مثل “لا فيراي”، التي قُدّمت مؤخرًا في الرباط، و غاصت في طابوهات إجتماعية بحسٍ هزلي؛ عرض لمعتقدات متناقضة، للفوارق الطبقية، للتصورات الثقافية و التعليمية التي تقيد العلاقات بين الناس.
و في أكادير، مسرحية “لونكيط” قدّمتها فرقة محترف أكادير، تحدّت القوالب النمطية، و طرحت ما يُعتبر من “المحرَّمات” برؤية فنية تُريد أن تُخرِج الموضوع من الظلّ إلى ضوء الفهم و النقاش.
و في مراكش، المسرح كذلك إتخذ موقفًا تجاه ظاهرة “الالتراس” التي أثّرت على الجماهير الشبابية في الملاعب؛ لم يكن الأمر مجرد تسليط ضوء على العنف أو الإنقسام، بل محاولة لفهم الجذور و المسببات، و تحذير من تأثيرات التفرقة على النسيج الإجتماعي.
الفنانون، و من خلفهم المخرجون، صاروا يشددون على أن الجرأة ليست إطلاقًا عشوائيًا، بل تتطلب مسؤولية. أن تُطرح القضايا الحساسة عن العنف الجنسي، التمييز، الإغتصاب، الهوية النفسية، و غيرها – ليس بصيغة إستفزازية فحسب، بل بصيغة تُحرّض على التفكير، تُحفّز الحوار، و تُثير الضمير.
المتابع لحضور الجمهور في هذه العروض يلاحظ أن هناك تشويقا – و آخرًا، تجاوبا كبيرًا، حتى من أولئك الذين ربما يرفضون الفكرة قبل أن يروها. الجمهور المغربي، إن لم يكن جاهزًا لكل التفاصيل، فقد بدأ يُلبي الدعوة كما لو أن المسرح يمدّ بوصل تواصل بين ما يُقال و ما يُحكى خلف الأبواب المغلقة.
المشهد ليس مثاليًا، و لا يخلو من جدل و إنتقاد؛ بعضهم يرون أن هناك تجاوزات، آخرون يخشون تمزيق القيم بطرح حساسيات دون تدريج، و البعض ينتقد ضعف اللغة أو البُنى الفنية في بعض الإنتاجات.
لكن الأكيد أن المسرح المغربي اليوم لا يقف في مكانه؛ إنه يثبّت أن الفن قادر أن يثير ما يخشاه المجتمع، أن ينقّب عمّا يُفضّل أن يُنسى، و أن يخوض معارك الفكرة بإستخدام الصمت، الصوت، الحركة، الظلّ و النور.
و أمام هذا الزخم، يتبيّن أن الطابوهات التي طالما كانت حصانة، لم تعد إلا زخرفة قديمة تتهالك أمام نور المسرح.
التعليقات مغلقة.