الانتفاضة // توفيق بوعشرين
ها هو الملك قد أظهر لكم الخيط الأبيض من الأسود فيما طُلب منه…
لم يُعطِ لشباب جيل Z ما طلبوه منه، وأولها إقالة الحكومة ومحاكمة وزرائها،
لكنه أقرّ بشرعية مطالبهم الاجتماعية.
لم ينتقد أخنوش وحكومته، ولم يمنحهم الأمان والاطمئنان الكلي…
بل نبههم إلى مشاكل التواصل، وحثّ الحكومة على تسريع وتيرة العمل في هذه السنة الأخيرة من الولاية التشريعية.
في المقابل، تعجّ “غرفة عمليات جيل Z”، وأقصد هنا منصة Discord، بالغضب والإحساس بأن صوتهم لم يُسمع ورسالتهم لم تؤخذ بعين الاعتبار لهذا اعلنوا الحداد كتبوا اسمهم بالأسود في منصتهم .
بعضهم دعا للخروج هذه الليلة إلى الشارع للتنفيس عن المشاعر الغاضبة ، وبعضهم دعا إلى الهدوء وأخذ الوقت للتفكير في الخطاب وما سيأتي بعده…
لكن الجامع بينهم أنهم مازالوا متمسكين بالسلمية والحضارية، خاصة بعدما سمعوا الملك يتحدث عن حقوقهم وحرياتهم وأملي ان تستمر السلطة في سياستها الناعمة معهم وأن تترك العصى في غمدها .
ذكّر الملك الجميع بخطاب العرش الذي تحدث فيه عن “المغرب الذي يمشي بسرعتين”، وعن الفوارق المجالية والاجتماعية…
كأنه يقول للشباب: “أنا سبقتكم للحديث عن المشاكل الاجتماعية التي تتحدثون عنها اليوم… فعودوا إلى بيوتكم، أنا والحكومة مكلفان بشغلنا.”
والمشكل، كما لمح إليه، ليس في “المنتوج” بل في “تسويقه”.
أكثر من ذلك، لم يشر الملك لا إلى جيل Z ولا إلى جيل Y، ولم يتحدث حتى عن الشباب بالمطلق.
تحدث خارج زمن الأزمة، خارج الحدث الكبير والرجة السياسية.
تحدث داخل إيقاع الزمن العادي جداً للبلاد وأحوالها.
وجّه الحكومة، كما يفعل دائماً، إلى الاهتمام بالتنمية وتقليص الفوارق الاجتماعية، وإلى العناية بالصحة والتعليم والشغل.
بمعنى آخر، الخطاب الملكي حوّل احتجاجات جيل Z من حدث استثنائي إلى “لا حدث”، إلى شيء عادي في يوميات السياسة والاجتماع في المغرب.
حتى هذه رسالة في حد ذاتها، تأتي مكملة للأحكام القضائية المشددة التي صدرت في حق بعض المتابعين أمام المحاكم.
إنها لعبة موازين القوى التي لا تُتقن الدولة شيئاً أكثر من قراءتها وتوظيفها والتحكم فيها.
كتب أحد المواطنين تعليقاً بليغاً على منشور لي في الفايسبوك قبل الخطاب قائلاً:
“هاد النهار شحال طوال… داير بحال أول نهار في رمضان.”
كأنه يلخص حالة الترقب التي سادت البلاد.
لننتأمل أولاً الآيات القرآنية التي افتتحت بها الجلسة، فهي أول رسالة من الملك إلى شعبه وبرلمانه وحكومته وكل الأجيال التي تعيش في مملكته.
إنها رمز مفتاحي لفهم باقي فقرات الخطاب.
ففي الجلسة الافتتاحية للبرلمان، هناك خطابان:
الأول تحمله الآيات القرآنية التي تُنتقى بعناية لتؤدي دورها.
والخطاب الثاني هو ما يتلوه الملك من أوراق معدة سلفا .
الآية كما وردت في سورة الحج، الآيتان 77 و78:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ… فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ۚ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)
الملك في النظام المغربي يُقدَّم كـ “أمير المؤمنين”، أي رأس السلطة الدينية.
باستعماله هذه الآية، يُذكّر بموقعه الروحي والشرعي، كأنه يقول:
“أنا لست فقط ملكًا سياسيًا، بل المرجعية الدينية التي تضبط الإيمان والطاعة والنظام العام.”
الآية تدعو إلى العبادة والطاعة والجهاد في سبيل الله — وهي مفاهيم تُستدعى لتذكير الأمة بواجب الانضباط والالتزام في مواجهة ما يمكن أن يُعتبر “فتنة” أو “فوضى”.
المستوى السياسي – الخطابي
في سياق الغضب الاجتماعي واحتجاجات الشباب، اختيار هذه الآية يوجّه رسالة مزدوجة:
رسالة هدوء إلى الداخل:
كأنه يقول للمحتجين: الإصلاح لا يأتي من الشارع، بل من العمل الصالح والجهاد في سبيل الله- بالمعنى المدني — أي بالإصلاح من داخل المؤسسات.
في نهاية الآية: “هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج… فاعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير.”
الملك يستحضر هنا الهوية الجامعة للمغاربة كأمة موحدة تحت راية الإسلام، في مواجهة التصدعات الطبقية والجيلية والاقتصادية والسياسية التي فجّرتها احتجاجات جيل Z.
كأنه يقول: لسنا معسكرات متناحرة — شباب ضد دولة، أو فقراء ضد أغنياء او مهمشين ضد منعمين — بل نحن أمة واحدة، دينها الإسلام ومولاها الله.
.
لكن المفارقة أن جيل Z لا يفكر بمنطق الخطاب الديني الكلاسيكي، وقد لا يفهم هذا النوع من الخطاب.
فبالنسبة إليهم، “الجهاد ” اليوم يعني مدرسة جيدة، مستشفى لائق، وعدالة اجتماعية… وحكومة ترحل واخنوش (يدرق وجهو).
لذلك، رغم العمق الديني للرسالة، قد يُفهم هذا الافتتاح القرآني عند الشباب كابتعاد عن مواجهة المطالب الواقعية بلغة سياسية صريحة… لهذا اليوم هم في حزن شديد
التعليقات مغلقة.