قراءة في كتاب نقد العقل السياسي للكاتب ريجيس دوبريه – ترجمة: عفيف دمشقية

الانتفاضة

يهدف ريجيس دوبريه في كتابه «نقد العقل السياسي» إلى الكشف عن البنية العميقة التي تحكم تفكير الإنسان عندما يدخل في علاقة مع الجماعة السياسية. فالمسألة عنده ليست مجرد دراسة للمؤسسات أو الإيديولوجيات، بل تحليل لما يسميه “اللاشعور السياسي” الذي يوجّه سلوك الأفراد والجماعات دون وعي منهم.
السياسة، بحسب دوبريه، ليست نتاج العقل الخالص أو الإرادة الواعية، بل هي بنية رمزية لها طابع دينيّ خفيّ، تستمدّ قوتها من الطقوس، والرموز، والأساطير الجماعية التي تمنح المجتمع تماسكه واستمراره. فحيثما وُجد التنظيم، وُجد المقدّس، حتى ولو اتخذ أشكالًا دنيوية.

المحاور الرئيسية

1. تمهيد السبل إلى المعرفة السياسية

في الجزء الأول، يبدأ دوبريه بـ”نقد سلبي”، أي تفكيك الأوهام التي تجعل من السياسة مجرد تقنية حكم أو إدارة مصالح.
يقول إن الفعل السياسي لا يمكن فهمه بمعزل عن الإيمان، الأسطورة، والرمز. فكل نظام سياسي يحتاج إلى “لاهوت خفي” يبرر وجوده.

«السلطة لا تقوم على العقل، بل على الاعتقاد في شرعيتها».

هنا يلتقي دوبريه مع ماكس فيبر، لكنه يتجاوزه نحو نقد البنية الرمزية التي تنتج هذا الاعتقاد، فيربط بين الإيمان السياسي والبنية الثقافية التي تحتضنه.

2. السياسة كهذيان جماعي

يرى دوبريه أن ممارسة السياسة تجعل البشر “يفقدون عقولهم” بمعنى فلسفي عميق. فكلّ جماعة، حين تنظّم نفسها سياسيًا، تُدخل أعضاءها في نظام من الأوهام المشتركة — نظام ضروري لقيامها واستمرارها.

الإيديولوجيا، بهذا المعنى، ليست مجرد فكر زائف، بل هي شكل من أشكال الهذيان الجماعي الذي يعطي للحياة الجماعية معناها ويؤطرها رمزيًا. هذا “الجنون المنظّم” هو الثمن الذي يدفعه الإنسان ليعيش ضمن مجتمع.

3. الرمز والمقدّس في الحياة السياسية

يؤكد دوبريه أنّ السياسة لا يمكن أن تُمارس من دون رموز تؤسس الجماعة وتمنحها معنى.
يرى أن الإنسان كائن رمزي قبل أن يكون كائناً عاقلاً، لذلك فإن المؤسسات السياسية — من الدولة إلى الحزب — هي بُنى رمزية قبل أن تكون عقلانية.

الزعيم، العلم، الوطن… كلها رموز تقوم مقام المقدّس في المجتمعات الحديثة.

ويحلل دوبريه هذه الرموز كما يحلل عالم الدين الشعائر الدينية، كاشفًا عن استمرارية اللاهوت في صلب السياسة العلمانية.

«كل سلطة دنيوية تستعير طقوسها من تراث ديني سابق عليها».

وبذلك يبيّن أن ما يُسمّى “الحداثة السياسية” لم تقطع فعلاً مع الدين، بل حوّلته إلى رموز وطنية وأيديولوجية جديدة.

4. البنية المنطقية للجماعة

يرى دوبريه أن كل جماعة مغلقة تُعرّف ذاتها بنقصها الداخلي، أي بما تفتقده. هذا النقص هو الذي يحرّكها ويمنحها دافع البقاء. ومن ثمّ، فإنّ “النظام” ليس إلا استجابة رمزية لعدم اكتمال الوجود الجماعي.
فالاستقرار الاجتماعي هو في جوهره بناء هشّ، يقوم على سلسلة من التعويضات الرمزية (السلطة، القوانين، الهوية) التي تُخفي هشاشة الجماعة وتؤسس لاستمرارها.

5. اللاشعور السياسي

يشبّه دوبريه المجتمع بالكائن الذي يحمل في أعماقه “لاشعورًا سياسيًا” — مجموعة من الرموز، والأفكار، والتصوّرات البدئية التي تتحكم في ممارساته من وراء ظهره.
هذا اللاشعور هو الذي يفسّر لماذا تكرّر الإنسانية، رغم كل التحولات، نفس أنماط الهيمنة والطاعة، ولماذا تبقى العلاقة بين المقدّس والسياسي قائمة حتى في أكثر الأنظمة علمانيةً.

5. السكّة الواحدة: وحدة المنطق السياسي

حين يقول دوبريه إنّ “السياسة تخفي عن السياسي كما يخفي القطار السكّة التي يجري عليها”، فهو يقصد أن ما يبدو تنوّعًا في النظم والأيديولوجيات ليس إلا اختلافات سطحية على منطق واحد يحكمها جميعًا: منطق النظام الرمزي.

إنّ “السكّة الواحدة” عند دوبريه ترمز إلى الثابت الرمزي في التجربة السياسية للإنسان، أي إلى اللاشعور الجمعي الذي يجعل كل سلطة ممكنة.

دوبريه يرى أن كل النظم — على اختلافها الظاهري — تسير على السكّة الرمزية نفسها: الحاجة إلى مركز مقدّس.
فالإنسان، في نظره، لا يستطيع أن يعيش جماعيًا دون أن يُضفي طابع القداسة على فكرةٍ ما تمنحه المعنى والشرعية.

الخلاصة

يقدّم دوبريه في «نقد العقل السياسي» مشروعًا فلسفيًا لكشف ما لا يُفكّر فيه داخل السياسة: أي اللاشعور الرمزي الذي يجعل كل سلطة ممكنة.
فما يبدو عقلانيًا ومنطقيًا في السياسة هو في الواقع نتاج دينيّ مقنّع، حيث تستمر الطقوس والمقدّسات القديمة تحت أشكال جديدة من السلطة والتنظيم.
إنّ نقد العقل السياسي عند دوبريه ليس رفضًا للسياسة، بل دعوة لفهمها في عمقها الرمزي، لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا نظام، ولا نظام بلا وهم، ولا وهم بلا مقدّس.

التعليقات مغلقة.