الأستاذ عبد السلام البوسرغيني، أيقونة الصحافة المغربية

الانتفاضة  //  عبد الصمد بن الشريف

رحم الله عميد الصحافة المغربية الأستاذ عبد السلام البوسرغيني.

برحيله خسر المغرب رائدا من رواد الصحافة الوطنية الملتزمة التي اشتغلت وقاومت في شروط وسياقات سياسية واجتماعية صعبة . وكان الأستاذ البوسرغيني واحدا من جنودها الأشاوس الذين قبضوا على جمر الكلمة المسؤولة وصمدوا رغم العواصف والقمع ومختلف أشكال الترهيب.

وأبلى البلاء الحسن في أكثر من مناسبة وموقع وواقعة . حيث تولى تغطية أحداث مفصلية وأساسية داخل المغرب وخارجه . وكرس جزءا من تجربته للكتابة عن مختلف القضايا الحيوية التي تهم الوطن والمواطنين .

وظل يمتهن الكتابة حتى لما تقدم في السن .وعبر عن رأيه في أكثر من قضية بلغة سلسلة ورؤية ثاقبة مستثمرا في ذلك مساره المهني الطويل وتجربته الخصبة والغنية .

وعلاقاته المتنوعة و استحضارا لروحه اقترح عليكم هذه التدوينة الطويلة التي نشرها في حائطه على الفسيبوك قبل رحيله

من الذاكرة…

تمر على الانسان أحداث منها ما لا يصمد لتقلبات الزمن ،فتغيب تفاصيلها عن الذاكرة ومنها ما يترك صداها ووقعها حيّا في الخيال ولا يحتاج المرء الى كثير عناء لتذكر تفاصيلها وما اكتنفها من تطورات .وما كان لها من مضاعفات.

مبعث هاذا الكلام ،ما عشته شخصيا مع صحافة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المتمثّلة في “التحرير” ثم في “المحرر” من أحداث بقيت راسخة في ذاكرتي وكلما تذكرتها تبعث في الشعور بالاعتزاز ،لكوني عايشت جزءا من تاريخ النضال التقدمي والوطني الذي تميزت به مسيرة الاتحاد الوطني، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ويتضاعف هذا الشعور لإحساسي بأنني لم أخيب ظن المرحوم المهدي بنبركة الذي دعاني للالتحاق بجريدة “التحرير” بعد ان تعرف على نشاطي بجريدة “العلم” من خلال تردده على مقرها وبالليل في اغلب الأحوال. يوم كان رحمه الله ،يتحمل مسوءولية التوجيه في حزب الاستقلال.

من الأحداث الهامة التي عاشها الاتحاد الوطني للفوات الشعبية ،حادث اعتقال قادة ومناضلي الاتحاد في شهر يوليوز١٩٦٣ ،اثر مداهمة قوات الأمن أو بالأحرى قوات القمع لمقر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بشارع علال بنعبد الله بالدار البيضاء

بادرت وانا في مكاتب جريدة التحرير الى نشر خبر الإعتقال على نطاق واسع قدر الإمكان فابرقت بالخبر الى المنظمة الدولية للصحافة التي كان مقرها في براغ ثم الى بعض الجراءيد الدولية الكبرى.

كان مدير الجريدة المرحوم الفقيه محمد البصري ورئيس التحريرالمرحوم الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي من بين قادة الاتحاد المعتقلين وبقيت سفينة الاتحاد وجريده على الاخص بدون قاءيد تتقاذفهاالامواج الى ان توقفت بعد أسبوع أوعشرة ايّام.

كنا نحن أعضاء طاقم التحرير أو ما بقي منهم قد صمدنا وظلت الجريدة تصدر بانتظام رغم مضايقات رجال الشرطة الذين كأنوا يحاولون منع الجريدة من التوزيع ألى ان جاء يوم تقرر فيه اعتقالنا فنبهني صاحب متجر بالقرب من مطبعة لمبريجيما التي كانت تضم أيضا مكاتب جريدة التحرير الى وجود سيارة تنتظرنا فعدت أدراجي ولَم تتح لي الفرصة للاتصال بزملائي ولطول العهد غابت عن ذاكرتي اسماء الذين رافقتهم اكثر من أسبوع تقاسمنا الحرص على اصدار الجريدة. وربما كان المرحوم محمد عابد الجابري من هوءلاء الرفقاء لكونه حرص على ذكر اسمي في اول عدد من سلسلة “مواقف” التي سجل فيها ذكرياته مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

وفي مساء ذلك اليوم وعندما بصدد التوجه الى منزلي بعد ان غادرت مقهى نابليون بحي بوركونيه شاهدت نفس السيارة التي كانت تنتظرنا امام مطبعة لبريجيما تقف امامي غير بعيد عني فعدت الى المقهى ودلفت الى مرحاضها للاختفاء خشية ان اتعرض للاختطاف وبعد فترةانصرفت والتقيت بالزميل محمد القشتالي الذي كان يتولى الإشراف على جريدة الطليعة ايات الاتحاد المغربي للشغل وبمجرد ما اطمأن علي توجهت الى منزلي وطلبت من زوجتي ان نتهيا للتوجه الى مدينة خنيفرة حيث يقيم اخي محمد البوسرغيني الذي كان يشتغل قاضيا في محكمة المدينة.

عدت بعد شهر الى الدار البيضاء فوجدت ان جهاز الأمن خفف من غلواءيه ولَم يعد يتعقب المناضالين الاتحاديين.

ظلت الشكوك تخامرني حول ما اذا كنت بالفعل قد تعرضت لمحاولة اختطاف كما خَيل لي لكن هذه الشكوك تبددت مع صدور شهادة. البخاري عميل المخابرات المغربية حول تصرفات اجهزة القمع في ذلك الحين وتجاوزاتها الخطيرة والاساليب التي كان المسوءولون الأمنيون يتبعونها وتأكدت انني بالفعل افشلت محاولة اختطافي التي لو نجحت لكنت قد ألحقت بدار المقري بالرباط حيث كان مقر التعذيب والتنكيل بالمناضلين الاتحاديين أو أودعت بمقبرة مجهولة.

الدر البيضاء 21 ابريل 2017

عبد السلام البوسرغيني

التعليقات مغلقة.