‏الصحافة الورقية، فالصحفي الرحال يتنقل بين القرى و الدشور و دهاليز الجماعات الترابية حاملا عدته بحثا عن الحقيقة….ما أجمل ذلك الزمن الجميل!

0

‏الانتفاضة / البداوي إدريسي
‏في زمن الصحافة الورقية، حيث كان” القلم و الورقة ” سلاح الصحفي الوحيد، لم تكن صناعة الخبر مجرد نقرة زر، بل كانت ملحمة من البحث، و المغامرة، و التقصي .
‏و كان الصحفي يحمل دفتر ملاحظاته و عدسته المكبرة، ليغوص في أعماق الأحداث، متجشما عناء السفر، ساعيا وراء الحقيقة بشغف لا يعرف الكلل أو الملل .
**رحلة البحث عن الحقيقة :
‏لم تكن المكاتب المكيفة هي مصدر الأخبار، بل كانت الشوارع، و الدشور، و القرى و البوادي، و الأسواق، و دهاليز الجماعات الترابية و أروقة المحاكم، و ميادين العمل .
‏و كان الصحفي يعتمد على عين ثاقبة تلتقط التفاصيل، و أذن صاغية تلتقط الهمسات، و قدرة فريدة على قراءة ما بين السطور .
‏* صعوبات الوصول  : كان الوصول إلى المعلومة يتطلب صبر أيوب؛ بدءا من المقابلات وجها لوجه، مرورا بالبحث المضني في أرشيفات الصحف و المكتبات العامة، وصولا إلى بناء شبكة واسعة من المصادر الموثوقة التي تثق بالقلم النزيه .
‏* صياغة الخبر  : بعد جمع الشتات، تبدأ مرحلة ” الطبخ الصحفي ” باستخدام القلم و الورقة .
‏و كانت الكلمات توزن بميزان الذهب، و تصاغ الجمل بدقة متناهية لتوصيل الخبر بوضوح و موضوعية .
‏ثم تأتي مرحلة التحرير اليدوي، حيث تلغى العبارات و تضاف التعديلات، لتخرج المقالة أو التقرير تحفة إعلامية تعكس هموم المجتمع .
‏و كانت لحظة رؤية الخبر مطبوعا في الصحيفة تمثل تتويجا لجهود مضنية، و شعورا بالإنتصار لرسالة الصحافة النبيلة في تنوير العقول و إيصال صوت الحقيقة .
‏إن رحلة الصحفي في زمن القلم و الورقة لم تكن مجرد مهنة، بل كانت أسلوب حياة و شغفا غايته الأولى و الأخيرة هي الوصول إلى الخبر الصادق .
‏و على الرغم من الثورة التكنولوجية و الرقمية الهائلة التي نعيشها اليوم، و التي جعلت الحصول على المعلومة أسرع و أسهل، إلا أن روح الصحافة الحقيقية – المتمثلة في النزاهة، و الفضول، و البحث الدؤوب عن الحقيقة – تبقى هي ذاتها التي خطها الأوائل بحبر أقلامهم على صفحات أوراقهم .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.