بعد سنوات الانتظار.. 14 اسما يعبرون إلى مجلس الصحافة وامتحان الثقة يبدأ

الانتفاضة/ جميلة ناصف

أفرزت الانتخابات الخاصة بممثلي الصحافيين المهنيين بالمجلس الوطني للصحافة سبعة أسماء جديدة ستتولى تمثيل الصحافيين داخل المؤسسة، في محطة شكلت نهاية لمرحلة طويلة من الانتظار والجدل حول مستقبل التنظيم الذاتي للمهنة، وفتحت في الوقت نفسه الباب أمام مرحلة جديدة يفترض أن تتجه فيها المؤسسة نحو استعادة أدوارها المهنية والعودة إلى واجهة النقاش المتعلق بالصحافة وأوضاع العاملين فيها.
وجرت عملية الاقتراع يوم الثلاثاء 15 شتنبر 2026 عبر مكاتب تصويت موزعة على جهات المملكة، قبل أن تعلن اللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس الوطني للصحافة عن النتائج النهائية في اليوم الموالي.
وحصلت حنان رحاب على المرتبة الاولى بـ703 أصوات، متقدمة على عبد الله البقالي الذي حل ثانيا بـ481 صوتا، فيما جاء عبد الحق العضيمي في المرتبة الثالثة بـ455 صوتا، والكبير خشيشن رابعا بـ437 صوتا. كما اسفرت النتائج عن دخول مونيا عرشي ونادية حسيسو وعزيزة غلام الى تركيبة المجلس ضمن المقاعد المخصصة للتمثيلية النسائية.
وتكشف هذه النتائج عن تركيبة تضم أربع صحافيات وثلاثة صحافيين، وهي صيغة ترتبط بالمقتضيات التي جاء بها القانون رقم 09.26، والذي اعتمد آلية انتخابية تراعي التمثيلية النسائية داخل فئة الصحافيين المهنيين.
وبموجب هذه الالية، يتم اختيار اربعة مترشحين او مترشحات ممن حصلوا على أكبر عدد من الاصوات، قبل تخصيص المقاعد الثلاثة المتبقية لأعلى المترشحات اصواتا من بين النساء اللواتي لم يدخلن ضمن المقاعد الاربعة الاولى. وهو ما يجعل قراءة النتائج مرتبطة بالقواعد القانونية المنظمة للعملية، وليس فقط بالترتيب العددي المجرد للأصوات.
لكن الرقم الذي فرض نفسه بقوة بعد اعلان النتائج لا يرتبط بأسماء الفائزين، وانما بنسبة المشاركة التي ظلت دون نصف الهيئة الناخبة بقليل. فمن أصل 3421 صحافية وصحفيا مسجلا في اللوائح الانتخابية النهائية، شارك 1681 ناخبا وناخبة، بنسبة بلغت 49.14 في المائة، بينما بلغ عدد الاصوات الصحيحة 1529 ورقة، مقابل 152 ورقة ملغاة. وتضع هذه الارقام المجلس الجديد أمام سؤال لا يقل أهمية عن سؤال تشكيله، يتعلق بمدى انخراط الجسم الصحافي في مسار التنظيم الذاتي. فعدم مشاركة أكثر من نصف المسجلين لا يمكن اعتباره وحده مؤشرا على موقف موحد من المجلس أو من العملية الانتخابية، لكنه يظل معطى مهنيا يستحق النقاش، خصوصا في مؤسسة يفترض أن تستمد جزء من قوتها من المشاركة والانخراط والثقة.
وتأتي هذه الانتخابات بعد فترة انتقالية امتدت لسنوات، تولت خلالها لجنة مؤقتة مهام المجلس، وفي سياق شهد نقاشا واسعا حول طريقة إعادة تشكيل المؤسسة واختصاصاتها وحدود استقلاليتها وعلاقتها بمختلف مكونات المشهد الاعلامي.
ولهذا، فان محطة 15 شتنبر لا تختزل في عملية انتخابية عادية، بل تمثل أيضا اختبارا لمدى قدرة الإطار القانوني الجديد على إعادة تحريك مؤسسة التنظيم الذاتي للصحافة، بعد مرحلة اتسمت بالكثير من التجاذبات والانتظارات.
وكان 39 صحافيا وصحافية قد دخلوا غمار المنافسة على المقاعد السبعة، بعد دراسة ملفات الترشيح والتأكد من مدى احترامها للشروط القانونية والتنظيمية المعتمدة. وقد ارتبطت هذه الشروط بمجموعة من المعايير، من بينها التوفر على صفة صحافي مهني، والقيد في اللوائح الانتخابية، وحيازة بطاقة صحافة مهنية سارية المفعول، الى جانب اقدمية مهنية محددة وشروط اخرى ذات صلة بالوضعية القانونية والمهنية للمترشحين.
وفي الوقت الذي جرى فيه اختيار ممثلي الصحافيين عن طريق التصويت المباشر، سلكت فئة الناشرين مسارا مختلفا، حيث تم حسم المقاعد السبعة المخصصة لها عن طريق الانتداب.
وتم الاعلان عن سبعة ناشرين لعضوية المجلس، ويتعلق الأمر ببهية العمراني، وسعاد المكاوي، ومهدي علابوش، وعزيز الداكي، وادريس شحتان، والمختار الغزيوي، وخالد الحريري، ليصل بذلك عدد الأسماء التي حسمت عضويتها الى 14 عضوا من أصل 17 عضوا تشكل بهم المؤسسة وفق القانون الجديد.
وانتداب ممثلي الناشرين لم يكن بدوره بمنأى عن النقاش، خصوصا في ظل تعدد المواقف بشأن شروط الترشح والوثائق المطلوبة ومعايير قبول الملفات. وقد أكدت اللجنة المؤقتة في المقابل ان دراسة الترشيحات تمت على أساس الشروط القانونية والتنظيمية المحددة سلفا.
ويعكس اختلاف طريقة اختيار الصحافيين عن طريقة انتداب الناشرين طبيعة التركيبة التي اعتمدها القانون الجديد، والتي تسعى الى الجمع بين التمثيلية الانتخابية والتمثيلية المهنية داخل مؤسسة يفترض أن تضم مختلف مكونات القطاع.
ومع اكتمال الجزء الاكبر من التركيبة، تنتقل الانظار الى المرحلة التالية، وهي مرحلة لا تتعلق هذه المرة بمن فاز ومن لم يفز، وانما بما سيحمله المجلس الجديد من أجندة مهنية.
فالصحافة المغربية تواجه اليوم مجموعة من التحديات المتراكمة، تبدأ من ظروف العمل والاستقرار المهني، ولا تنتهي عند أزمة الموارد المالية التي تواجه عددا من المقاولات الصحافية، مرورا بتوسع الاعلام الرقمي وتغير سلوك الجمهور، وصولا إلى الاسئلة الجديدة التي فرضها الذكاء الاصطناعي على المهنة وعلى مفهوم المحتوى الصحافي نفسه.
كما أن ملف الصحافة الجهوية سيظل من الملفات التي تحتاج الى نقاش خاص، بالنظر الى الصعوبات التي تواجهها عدد من المقاولات خارج محور المدن الكبرى، سواء على مستوى الموارد البشرية أو التمويل أو الوصول إلى مصادر الأخبار، وهو ما يجعل تمثيلية هذه الفئة داخل المؤسسات المهنية قضية مرتبطة بمستقبل التعددية الاعلامية.
وفي الجانب المهني، ينتظر الصحافيون أيضا أن يتحول المجلس إلى فضاء للحوار والترافع حول القضايا التي تمسهم بشكل مباشر، بما في ذلك شروط ممارسة المهنة، حماية الصحافيين أثناء أداء مهامهم، أخلاقيات العمل الصحافي، الحق في الوصول إلى المعلومة، والتعامل مع الشكايات والنزاعات المهنية وفق قواعد واضحة ومتوازنة.
أما بالنسبة الى الناشرين، فإن التحديات لا تقل تعقيدا، في ظل التحولات التي عرفها سوق الاعلان، وارتفاع كلفة الانتاج، وتغير طرق توزيع المحتوى، وتراجع بعض النماذج التقليدية التي اعتمدت عليها المؤسسات الصحافية لسنوات.
ومن هنا، فان المجلس الجديد سيكون مطالبا بالتعامل مع ملف الصحافة باعتباره قطاعا مهنيا متكاملا، لا يمكن فيه فصل وضعية الصحافي عن وضعية المقاولة التي يعمل داخلها، ولا يمكن معالجة أزمات المقاولات بمعزل عن ضمان حقوق العاملين فيها.
لكن قبل كل ذلك، يظل تحدي الثقة حاضرا بقوة. فنسبة المشاركة التي لم تتجاوز 49.14 في المائة تطرح أمام الاعضاء الجدد مسؤولية إضافية تتمثل في توسيع دائرة التواصل مع الجسم الصحافي، والاقتراب من المهنيين الذين لم يشاركوا في الاقتراع، ومحاولة فهم الأسباب التي جعلت نسبة مهمة منهم خارج هذه المحطة.
ولا يمكن اختزال عدم المشاركة في سبب واحد، كما لا يمكن تحميلها أكثر مما تحتمل، لكنها تظل رسالة تستحق القراءة، خصوصا أن قوة التنظيم الذاتي لا ترتبط فقط بما يمنحه القانون للمؤسسة من اختصاصات، بل أيضا بدرجة ارتباط المهنيين بها وشعورهم بأنها تعبر فعلا عن قضاياهم.
وإذا كانت صناديق الاقتراع قد منحت حنان رحاب الصدارة بـ703 اصوات، ووضعت عبد الله البقالي في المرتبة الثانية بـ481 صوتا، فإن الارقام ستتحول بعد ذلك إلى مسؤولية، لأن الاصوات التي منحت الثقة للأعضاء الجدد ستصبح مطالبة بنتائج ومواقف وحضور مهني داخل المجلس.
وفي الجهة الأخرى، سيحمل ممثلو الناشرين بدورهم مسؤولية الدفاع عن مصالح المقاولات الصحافية، والمساهمة في بلورة رؤية مشتركة حول مستقبل القطاع، بعيدا عن منطق التجاذب بين الصحافي والناشر، وبما يضمن استدامة المؤسسة الاعلامية وتحسين شروط العمل في الوقت نفسه.
وبذلك، تكون انتخابات 15 شتنبر قد أغلقت مرحلة وفتحت أخرى. مرحلة انتهت بإعلان الاسماء وتوزيع المقاعد، ومرحلة جديدة سيكون معيارها الاساسي مدى قدرة الاعضاء الجدد على تحويل التمثيلية الى عمل مؤسساتي، وتحويل الشرعية الانتخابية الى ثقة مهنية متجددة.
فالمجلس الوطني للصحافة لا ينتظر منه فقط أن يستكمل تركيبته القانونية، بل ينتظر منه أن يعيد الاعتبار لفكرة التنظيم الذاتي، وأن يجعل من المؤسسة فضاء للحوار بين الصحافيين والناشرين، وأن يتعامل مع الخلافات المهنية باعتبارها جزءمن طبيعة القطاع، لا سببا لتعطيل مؤسساته.
وبعد سنوات من الانتظار، لم يعد السؤال الحقيقي هو من دخل المجلس ومن بقي خارجه، بل ماذا سيفعل الذين دخلوا؟ وهل سيتمكنون من بناء مؤسسة تستوعب اختلافات الجسم الصحافي، وتستجيب للتحولات التي يعرفها الاعلام المغربي، وتعيد للمهنيين الثقة في أن التنظيم الذاتي يمكن أن يكون أداة لحماية المهنة وتطويرها؟. تلك هي المهمة التي تبدأ فعليا بعد إعلان النتائج، وهي مهمة لن تحسمها الأصوات التي أفرزت الاعضاء، وإنما ما سيقدمونه من عمل ومواقف وقرارات خلال المرحلة المقبلة.

التعليقات مغلقة.