بعد استحواذ (الشناقة) عليه.. رحم الله التنظيم الذاتي للصحافة والإعلام حين كان فعلاً يحمي الصحفيين.. أما الآن فهو يرعبهم..

الانتفاضة

لا زال القانون المنظم للصحافة والصحفيين يسيل المزيد من المداد، ولا زال يثير القيل والقال وكثرة السؤال بسبب لا دستورية مقترح القانون كما عبر عن ذلك عدد لا يستهان به من الصحفيين و المهنيين والأساتذة و المختصون والوزراء السابقون والحاليون وعدد من الفرقاء السياسيين والذين رأوا في مشروع القانون الجديد أنه قد أجهز على آخر ما تبقى للصحافة والاعلام من كرامة ونخوة وعزة وأنفة.

لقد جاء هذا القانون ليكون بالفعل البقرة الحلوب لأهل الدار والمقربين والحواريين والذين يدورون في فلك السلطة ، والإغداق عليهم بمزيد من الامتيازات والإمكانيات وزيادة (العلف في ظهر المعلوف).

مقابل إقصاء المقاولات الوطنية والمستقلة وربط جدوى استفادتها هي الأخرى من الدعم العمومي برقم المعاملات والإشهار وعدد العاملين، وهو ما يثير فعلا السخرية والضحك والاستهجان فعلا.

كما أن القانون الجديد يأتي في سياق العمل على تقزيم دور الصحافة والإعلام وتحييد دورها الإشعاعي والتوعوي والتواصلي وقصرها على التطبيل والتزمير.

مقابل إقصاء الصحافة الجادة والمواطنة والتي تجعل من الخبر اليقين أساس وجودها والتواصل مع عموم المواطنين هو أو لا وأخيرا ديدنها.

وفي هذا السياق قدمت الأغلبية البرلمانية مؤخرًا تعديلاً على مشروع قانون يتعلق بالمجلس الوطني للصحافة، ويقضي بحذف عقوبة توقيف الصحف، وهو ما اعتبره البعض خطوة إيجابية نحو احترام حرية التعبير. لكن الفرحة لم تدم طويلًا، إذ تم اقتراح تعويض التوقيف بغرامة مالية ضخمة تتراوح ما بين 30 و50 مليون سنتيم

هذا التعديل، الذي جاء ظاهريًا لحماية الصحافة من قرارات التوقيف التعسفية، تحول في نظر كثيرين إلى عقوبة اقتصادية قاسية قد تؤدي إلى النتيجة نفسها: خنق الصحف وخروجها من الساحة.

و المفارقة المثيرة حقيقة وصدقا هي أن الغرامة المقترحة تفوق بكثير العقوبات الموجودة في القانون الحالي على جرائم خطيرة مثل نشر أخبار زائفة تهدد النظام العام أو القذف ضد مؤسسات حساسة كالقوات المسلحة

وهنا يُطرح السؤال:

ما هي هذه المخالفة الأخلاقية في الصحافة التي تستحق غرامة تصل إلى 50 مليون سنتيم؟

و هل أخلاق المهنة تساوي الإعدام المالي للمنابر الصحفية؟

وفي صالح من يتم تدجين الصحافة وإعلاء شأن صحافة الميوعة والإسفاف والابتذال؟

لماذا لا تحاول الدولة العمل على جعل السلطة الرابعة محجا لكل من يريد أن ينهل من معين الحضارة والرقي والازدهار؟

لماذا بقي الجسم الصحفي متشرذما وكل يغني على ليلاه؟

من المستفيد من القيل والقال الذي يصاحب هذا القانون الخطير والنكوصي؟

من له الحق الحديث باسم الجسم الصحفي بعيد عن الكولسة وتحوير النقاش والبحث عن الكعكة؟

لماذا يتم  الزج دائما بالصحافة والصحفيين في ردهات المتاعب ومحاولة تحييد دورهم والتنقيص من دورهم الفاعل في المجتمع؟

ألا توجد نوايا ظاهرة وباطنة تحاول جهد الامكان العمل على تقليم أظافر مهنة صاحبة الجلالة؟

أسئلة وأحرى طرحت ولا تزال تطرح وستبقى تطرح أمام الرأي العام بإلحاح وحد، ولكن من دون التوفر على إجابات مقنعة وخلاصات واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، تحاول بطريقة أو بأخرى تخليص السلطة الرابعة من خربشات الدولةوتوازناتها الماكرو اقتصاية والجيوسياسية وجهازها الإعلامي وذراعها الصحفي مقابل الضرب في الصحافة المستقلة والحرة والتي يبقى رأس مالها هو القراء أولا وأخيرا.

فهذه الخطوة تعيد النقاش حول مستقبل التنظيم الذاتي للمهنة، الذي كان يُفترض أن يكون ضمانة للحرية والتوازن، فإذا به يتحول إلى أداة تُسخّر لفرض قيود جديدة تحت غطاء القانون.

إن دعم الصحافة لا يكون فقط برفع العقوبات الشكلية، بل بخلق بيئة قانونية عادلة ومشجعة، لأن أي غرامة غير منطقية تصبح سلاحًا خفيًا لإسكات الأصوات الحرة

كم أن تهميش دور الصحافة والاعلام وجعلها مهنة من لا مهنة له وحرفة من لا حرفة له لهو عين الخبال والحمق والتيه والضياع.

و خاصة في ظل الجمود  الذي يعرفه المجلس الوطني للصحافة، فضلا عن لا قانونية تواجده إلى حدود يوم الناس هذا.

هذا إضافة الى تشرذم الجسم الصحفي وتقوقعه على نفسه مما أخرج لنا إعلاما مشوها وهجينا إلا ما استثني من بعض الفلتات الضوئية والتي لا زالت تحمل على عاتقها نبراس الكلمة الحرة والرأي الحر والتعليق الحر، بعيدا عن الخوف والكولسة وانتظار ما قد يأتي وما قد لا يأتي.

فرحم الله فعلا التنظيم الذاتي حين كان فعلاً يحمي الصحفيين، و لا يرعبهم، أما وأن المهنة قد استولى عليها (الشناقة) وتجار الكلمات – عفوا – تجار الأزمات مما أنتج لنا إعلاما مدجنا وصحافة مخترقة للأسف الشديد، فاقم عليها مأتما وعويلا.

بقي أن نشير إلى أن المشهد الإعلامي في الحقيقة يحتضر في ظل هذا القانون المجحف الخطير وال‘قصائي والخادم لأجندات معينة ولوبيات معروفة، والذي عوض أن يعيد الاعتبار للسلطة الرابعة أخذ في تحجيم دورها وجعلها أداة في يد الاقطاعيين والمتحكمون في دواليب الدولة شكلا ومضمونا للأسف الشديد، حتى يبقى الشعار الخالد دائما وأبدا هو ترديد لازمة: (قولوا العام زين).

وهم لا يعلمون أن من أبجديات الصحافة والإعلام في الحقيقة هي أن يسأل الصحفي القطار المتأخر لماذا تأخر؟

ولا يسأل القطار الذي يصل في الوقت لماذا وصل في الوقت.

وذلك في توازن مع الرؤى والتصورات والعادات والتقاليد والقيم المرتبطة بالإنسان حيثما حل وارتحل.

مع عدم نسيان العنصر المادي وما له من دور فاعل في إبقاء المقاولات الصحفية على قيد الحياة.

وألا ينهشها المتمترسون في (الدورة).

وكل إعلام وأنتم…

التعليقات مغلقة.