الانتفاضة/ محمد جرو
يشكل السباق نحو منصب الأمين العام للأمم المتحدة أحد أبرز الاستحقاقات الدبلوماسية التي تستقطب اهتمام المجتمع الدولي، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها هذا المنصب في قيادة المنظمة الأممية والإشراف على جهود حفظ السلم والأمن الدوليين وتعزيز التعاون بين الدول. ومع اقتراب نهاية ولاية الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش، بدأت ملامح المنافسة تتضح من خلال إعلان عدد من الشخصيات الدولية البارزة ترشحها لخلافته، في وقت يسعى فيه الاتحاد الإفريقي إلى استثمار هذه المرحلة للدفع بمرشح يمثل القارة السمراء، هو الرئيس السنغالي السابق ماكي صال، الذي يحظى بدعم رسمي من بلاده وتزكية الاتحاد الإفريقي، في محاولة لمنح إفريقيا فرصة جديدة لتولي قيادة أكبر منظمة دولية.
ويكتسي ترشيح ماكي صال أهمية خاصة داخل القارة الإفريقية، باعتباره من أبرز القادة الذين قادوا بلدانهم خلال العقد الأخير، كما أنه راكم تجربة سياسية ودبلوماسية واسعة أهلته ليكون من بين الأسماء المطروحة بقوة على الساحة الدولية. وقد جاء ترشيحه في إطار توافق إفريقي قادته جمهورية بوروندي، التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الإفريقي، بينما سارعت السنغال إلى إعلان دعمها الرسمي للرئيس السابق، معتبرة أن ترشيحه يمثل طموحا وطنيا وإفريقيا لتعزيز حضور القارة داخل المؤسسات الأممية.
وأعلنت رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أنها توصلت رسميا بملف ترشيح ماكي صال، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من المشاورات الدبلوماسية التي ستحدد مستقبل السباق نحو المنصب الأممي الأرفع. ويكتسب هذا الترشيح بعدا سياسيا إضافيا بالنظر إلى العلاقات التي نسجها الرئيس السنغالي السابق مع عدد من الدول، وفي مقدمتها المملكة المغربية، التي تربطه بها علاقات وثيقة تعززت خلال فترة رئاسته للسنغال.
ويعتبر ماكي صال من الشخصيات الإفريقية التي أبدت دعما واضحا للوحدة الترابية للمغرب، حيث أكد في أكثر من مناسبة تأييده لسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، كما اتخذت السنغال خلال فترة حكمه خطوات دبلوماسية وازنة كان أبرزها افتتاح قنصلية عامة بمدينة الداخلة في أبريل 2021، في خطوة اعتبرت تجسيدا عمليا لموقف داكار الداعم لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب باعتبارها الحل الواقعي والجاد لتسوية هذا النزاع الإقليمي. كما اختار ماكي صال، عقب مغادرته الرئاسة، الاستقرار بمدينة مراكش، الأمر الذي يعكس متانة العلاقات التي تربطه بالمملكة.
ورغم هذا الدعم الإفريقي والرصيد السياسي الذي يتمتع به، فإن الطريق نحو الأمانة العامة للأمم المتحدة لن يكون سهلا، إذ يواجه ماكي صال منافسة قوية من شخصيات دولية تحظى بثقل سياسي ودبلوماسي كبير. وتأتي في مقدمة هذه الأسماء الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشيليت، التي تمتلك تجربة طويلة في العمل الحكومي والأممي، حيث سبق أن تولت رئاسة تشيلي مرتين، كما شغلت منصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان، وقادت هيئة الأمم المتحدة للمرأة. وتحظى باشيليت بدعم مجموعة من دول أمريكا اللاتينية، من بينها تشيلي والبرازيل والمكسيك، كما ترتكز حملتها على قضايا حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والعدالة المناخية، فضلا عن كونها تمثل مطلباً دولياً متزايداً يدعو إلى انتخاب أول امرأة في تاريخ الأمم المتحدة لمنصب الأمين العام.
ومن بين أبرز المنافسين أيضا الأرجنتيني رافائيل غروسي، المدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي راكم خبرة كبيرة في إدارة الملفات النووية الحساسة، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو بمتابعة أوضاع المنشآت النووية في أوكرانيا. وينظر إلى غروسي باعتباره شخصية توافقية تحظى باحترام العديد من القوى الدولية الكبرى، بفضل أسلوبه البراغماتي وخبرته في إدارة الأزمات الدولية المعقدة.
كما تبرز الكوستاريكية ريبيكا غرينسبان ضمن قائمة المرشحين البارزين، بالنظر إلى تجربتها الطويلة داخل منظومة الأمم المتحدة، إضافة إلى أسماء أخرى متداولة في الأوساط الدبلوماسية، مثل أليسيا بارسينا، وزيرة البيئة المكسيكية الحالية، والأمينة التنفيذية السابقة للجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية، التي تمتلك خبرة واسعة في قضايا التنمية والاقتصاد والبيئة، إلى جانب رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن، التي تحظى بصورة دولية إيجابية بسبب إدارتها لعدد من الأزمات، رغم أن موقع بلادها ضمن مجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى قد يقلل من فرصها في ظل مبدأ التناوب الجغرافي.
ولا تتعلق المنافسة الحالية فقط بالسير الذاتية للمرشحين أو بمستوى خبرتهم الدولية، بل تتأثر أيضا بعوامل سياسية وتاريخية معقدة. فهناك من يرى أن أمريكا اللاتينية تستحق تولي هذا المنصب بعدما غابت عنه منذ أكثر من ثلاثة عقود، بينما تؤكد منظمات دولية وحملات مدنية أن الوقت قد حان لكي تتولى امرأة قيادة الأمم المتحدة لأول مرة منذ تأسيسها قبل ثمانين عاما. وتعد حملة “1 for 8 Billion” من أبرز المبادرات الدولية التي تضغط في هذا الاتجاه، حيث تدعو إلى اعتماد معايير أكثر شفافية في اختيار الأمين العام، وإعطاء الأولوية لترشيح النساء اللواتي يمتلكن الكفاءة والخبرة اللازمة.
وتشكل هذه المطالب تحديا حقيقيا أمام ماكي صال، لأن النقاش لم يعد يقتصر على مبدأ التوزيع الجغرافي بين القارات، بل أصبح يشمل أيضا قضية التمثيل النسائي داخل أعلى هرم القيادة الدولية. ولذلك، فإن ترشيحه سيكون مطالبا بإقناع الدول الأعضاء بأن الكفاءة والخبرة والقدرة على إدارة الأزمات يجب أن تبقى المعيار الأساسي في الاختيار، بصرف النظر عن جنس المرشح أو انتمائه الجغرافي.
وفي المقابل، يراهن الاتحاد الإفريقي على أن الوقت قد حان لكي تحظى القارة الإفريقية بفرصة جديدة لقيادة الأمم المتحدة، خصوصا في ظل التحولات الكبرى التي يعرفها العالم، وارتفاع صوت الدول النامية المطالبة بإصلاح منظومة الحوكمة الدولية ومنح الجنوب العالمي دورا أكبر في اتخاذ القرار. ويعتبر كثير من القادة الأفارقة أن انتخاب شخصية من القارة سيمنح زخماً جديداً للنقاش حول إصلاح مجلس الأمن، وتعزيز العدالة الدولية، وتحقيق تنمية أكثر توازناً بين مختلف مناطق العالم.
ومن جانبها، باشرت السنغال حملة دبلوماسية واسعة لدعم مرشحها، حيث أعلنت وزارة الخارجية أن الرئيس باسيرو ديوماي فاي كلف مختلف السفارات والبعثات الدبلوماسية بإجراء اتصالات ومشاورات مع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بهدف حشد أكبر قدر ممكن من التأييد لترشيح ماكي صال. كما أكدت الرئاسة السنغالية أن هذا الترشيح يمثل مشروعا وطنيا يحظى بدعم مؤسسات الدولة، ويعكس رغبة داكار في تعزيز الحضور الإفريقي داخل أجهزة الأمم المتحدة.
ورغم ذلك، فإن القرار النهائي لن يكون بيد الجمعية العامة وحدها، إذ يبقى مجلس الأمن الدولي الحلقة الحاسمة في اختيار الأمين العام، حيث يتطلب الأمر توافقا بين الدول الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، التي تمتلك حق النقض، ما يجعل الحسابات الجيوسياسية عاملا أساسيا في تحديد هوية الأمين العام المقبل.
وبين الدعم الإفريقي القوي لماكي صال، والمطالب الدولية بانتخاب أول امرأة لتولي هذا المنصب، والتنافس اللاتيني لاستعادة الموقع، تبدو معركة خلافة أنطونيو غوتيريش واحدة من أكثر المعارك الدبلوماسية تعقيداً خلال السنوات الأخيرة. فهي لا تعكس فقط تنافسا بين شخصيات ذات خبرة وكفاءة، بل تجسد أيضا صراعا بين رؤى مختلفة حول مستقبل الأمم المتحدة، وطبيعة الإصلاحات التي تحتاجها المنظمة، والدور الذي ينبغي أن تلعبه في عالم يشهد أزمات متلاحقة وتحديات غير مسبوقة. وفي النهاية، سيبقى الحسم رهينا بقدرة كل مرشح على بناء توافق دولي واسع يجمع بين الدعم الإقليمي وقبول القوى الكبرى، وهو ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في رسم ملامح القيادة الجديدة للأمم المتحدة.
التعليقات مغلقة.