الانتفاضة // حسن المولوع
الأستاذ عبد الصمد حيكر هو بحق من رجال السياسة القلائل في هذا الزمن الذين لا زالوا يحملون غيرة وطنية صادقة، ويُعبّرون عنها بحرقة وصدق داخل قبة البرلمان. ففي مداخلاته، لا يدافع عن قضايا الشعب بشكل عام فقط، بل يُدافع أيضا عن قضايا الصحافة والنشر وكأنه أحد أبنائها، بل وأراه دون مبالغة أكثر دراية بقطاع الإعلام من الوزير نفسه، فهو يحلل، ويفكك، ويشرح بعمق، ويمتلك من الجرأة ما يكفي ليُحرّك المياه الراكدة.
الأستاذ حيكر يستحق، بكفاءته وفهمه وسعة اطلاعه، أن يكون وزيرا لهذا القطاع، لأنه لا يختبئ خلف لغة الخشب، بل يقول ما نريد نحن الصحافيين قوله، ويُوصل صوتنا كما يجب.
ومن هذا المنبر، أُوجّه نداء إلى المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، وإلى رفاقهم في حزب التقدم والاشتراكية، للتفكير الجاد في مراسلة الهيئات الدستورية التالية:
1. مجلس المنافسة، استنادًا إلى الفصل 166 من الدستور، الذي ينص على أن المجلس “يسهر على ضمان احترام قواعد المنافسة الحرة والمشروعة”، ونحن هنا أمام اختلالات تنظيمية ومالية تستوجب رأيه بخصوص شفافية وحرية تدبير قطاع الصحافة، خاصة في ظل هيمنة فئة ضيقة وحرمان الآخرين من التمثيلية.
2. الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، والتي يخول لها الفصل 36 والفصل 167 من الدستور صلاحية الإشراف على تخليق الحياة العامة، والتحري في شبهات الفساد الإداري والمالي. فماذا تنتظر هذه الهيئة كي تفتح تحقيقا في كيفية تدبير المال العام داخل المجلس الوطني للصحافة واللجنة المؤقتة؟
3. المجلس الأعلى للحسابات، كما ينص الفصل 147 من الدستور، هو الجهة المكلفة بمراقبة استخدام المال العام، وله سلطة القيام بافتحاص شامل للهيئات العمومية، وهو مؤهل اليوم أكثر من أي وقت مضى لتفحّص مالية المجلس الوطني للصحافة، خصوصا مع تزايد الشبهات، وغياب الشفافية في الصرف، وفي التعيينات، وفي طريقة التسيير.
كيف يُعقل أن يتم الإعداد لانتخابات جديدة داخل المجلس الوطني للصحافة، دون أي محاسبة حقيقية لمن انتهت ولايتهم؟
كيف يمكننا أن نثق في نزاهة انتخابات تجرى في غياب تقارير مالية واضحة؟
ومن يحاسب هذه الهيئة، إذا كان الوزير نفسه يتذرع بأنها “هيئة مستقلة” وفقا للفصل 28 من الدستور، بينما يُشرعِنُ خرق هذا الفصل نفسه حين يُمدد لها خارج أي مسطرة انتخابية أو قانونية؟
الفصل 28 من الدستور ينص بوضوح على أن “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية”، وأن “الصحافة تمارس بحرية، في إطار احترام القانون”. لكن الواقع يكشف أن القوانين تُعدّل خارج القانون، وأن ما يُمارَس هو تحكُّم ممنهج وليس تسييرا ديمقراطيا.
نحن أمام مفارقة خطيرة:
الدستور يقول شيئا، والتدبير الفعلي يقول عكسه.
لهذا، فإن تفعيل المساءلة، من خلال هذه المؤسسات الدستورية،لم يعد ترفا، بل صار ضرورة وطنية…فلا ديمقراطية بدون شفافية…ولا انتخابات نزيهة بدون افتحاص.
ولا استقلال حقيقي للصحافة، ما دامت نفس الوجوه تُدبّر، وتُقرّر، وتُمدّد، في غياب تام للمحاسبة والمساءلة.
إن كانت هذه المؤسسات الدستورية وُجدت من أجل حماية المال العام، ومحاربة الريع والفساد، فقد آن أوان تدخلها. لأن قطاع الصحافة ليس حقل تجارب، ولا ضيعة خاصة، بل ركن أساسي من أركان الديمقراطية والدستور.
التعليقات مغلقة.