الانتفاضة / حسن الفارسي
شهد الحقل التربوي بالمغرب مؤخراً صدور بلاغ رسمي عن المنظمة العلوية لرعاية المكفوفين، يحمل في طياته الكثير من مظاهر البهجة والارتياح؛ حيث أعلنت فيه عن تحقيق نسبة نجاح استثنائية بلغت %92 في الدورة العادية لامتحانات البكالوريا، هذا الرقم، الذي تم تقديمه كإنجاز تاريخي يعكس نجاعة المقاربات المعتمدة، قوبل بموجة من النقاشات في الأوساط التعليمية، مبرزاً مفارقة صارخة بين لغة الأرقام الرسمية والواقع الميداني والاجتماعي، الذي تعيشه هذه الفئة في مسارها التعليمي والوجودي اليومي.
وحتى نكون منصفين، وجب البدء بالإشارة إلى الإسهامات التاريخية التي قدمتها المنظمة في هذا المجال؛ وهو جهد ريادي مشكور لا ينكره إلا جاحد. غير أن الهالة الاحتفالية التي أحاطت بهذا الإعلان، وفضيلة التزام القطاع الوصي بتوفير الأطر التعليمية والإدارية، لا يجب أن يحجبا الاختلالات الهيكلية التي تكشف عنها شهادات من قلب الجسم التعليمي.
فالأطر التربوية المعينة تشير باستمرار إلى قلة التأطير البيداغوجي الذي يواكب المتغيرات التعليمية الحديثة والوسائل الرقمية، مما أدى إلى تراجع مستوى التحصيل الفعلي وعزوف عدد من التلاميذ عن العطاء لغياب البيئة الديداكتيكية المحفزة؛ وهو ما يؤكد أن نسب النجاح المرتفعة قد تكون نتاج جهود فردية مضنية وعائلية معزولة، وليست دليلاً على نجاعة المنظومة.
إن الإشكال الحقيقي يتجاوز حدود جودة التكوين المستمر للأطر ليمس جوهر الحكامة والعدالة المجالية. فالواقع يسجل تمركز هذه المعاهد في مدن وحواضر كبرى بعينها كالرباط، والدار البيضاء، ومراكش، وبني ملال، ومكناس، وفاس، ووجدة، وتارودانت، وتطوان. هذا الحصر الجغرافي يفرز إقصاءً تلقائياً لأطفال القرى والمناطق النائية، ويزداد الوضع قتامة مع إقدام الجهات المسؤولة على إغلاق مدارس أخرى في مناطق متعددة كان من المفروض الإبقاء عليها وتطويرها لتخفيف عبء ومصاريف التنقل عن الأسر الهشة.
هذا الوضع المترنح يضعنا أمام الملاحظة الجوهرية الأولى: *إن تعليم وتربية المكفوفين هي مسؤولية أصيلة ومباشرة تقع على عاتق الدولة، وليست مجرد مهمة قطاعية منوطة بالجمعيات.* ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يبقى تعليم هذه الفئة محتكراً من طرف جمعية أو منظمة واحدة؛ بل يقتضي الأمر إحداث وتعدد الجمعيات العاملة في هذا المجال، مع إعطائها نفس الفرص والدعم والتمويل الذي تستفيد منه المنظمة الاحتكارية الحالية، ضماناً لتكافؤ الفرص وتوسيعاً لشبكة الاستهداف.
ومع ذلك، يظل خيار دعم الجمعيات حلاً مؤقتاً ومرحلياً في انتظار التفعيل الشامل للبرنامج الوطني للتربية الدامجة، المنجز بشراكة مع منظمة اليونسكو. هذا البرنامج الطموح يمثل ثورة مفهومية تخرج بالتعليم من المقاربة الرعائية العزلوية إلى المقاربة الحقوقية الاستيعابية؛ فهو لا يهم فقط الأشخاص في وضعية إعاقة، بل يمتد ليشمل فئات اجتماعية هشة أخرى كالأطفال المتخلى عنهم، المنحدرين من الأقليات، وأطفال الشوارع واليتامى.
إن جوهر التربية الدامجة يتجلى في كفالة الحق القانوني والتربوي لأي أب أو أم في إلحاق طفلهم بمدرسة عادية قريبة من مقرات سكناهم، شريطة أن تكون هذه المدارس مجهزة بقاعات الموارد المتخصصة، ومعززة بالأطر المؤهلة والإمكانيات التقنية المتاحة. إن اندماج الكفيف في فضاء مدرسي مشترك مع أقرانه المبصرين—حتى وإن تلقى بعض حصصه في أقسام خاصة—يضمن له الخروج والدخول من باب واحد والعيش في مجتمع مصغر، وهو السبيل الوحيد لبناء شخصية متوازنة.
وفي المقابل، فإن الاستمرار في المراهنة على “المراكز والمعاهد المتخصصة والمعزولة” يطرح علامات استفهام كبرى حول ما تنتجه فعلياً. فالواقع السيكولوجي والاجتماعي يؤكد أن عزل المكفوفين بين أسوار مغلقة لمدد طويلة تتراوح بين 6 إلى 12 سنة، ينتج في كثير من الأحيان عقداً نفسية وسلوكات غير مقبولة اجتماعياً ناتجة عن الانفصال عن العالم الخارجي. وحين يقذف بهؤلاء الخريجين إلى معترك الحياة الجامعية والمهنية، يصطدمون بصعوبات بالغة في الاندماج والمسايرة، ويمتد هذا الأثر السلبي ليطال حتى قدرتهم على بناء أسرة، واختيار شريك الحياة، وتربية الأطفال.
إن هذه المعطيات تؤكد بالملموس أن نموذج المراكز المتخصصة المعزولة لم يعد صالحاً للمرحلة؛ فهو لا يشكل خطوة نحو الإدماج بل يكرس العزلة والانزواء. إن وضع إشكالية تعليم المكفوفين في مسارها الصحيح يتطلب من الدولة الانتقال من دور “الممول والموفر للأطر” داخل معاهد الغير، إلى فاعل مباشر يقود قاطرة التربية الدامجة داخل المدرسة العمومية، لإنهاء الفجوة الرقمية والمجالية، وتحقيق الإنصاف الدستوري الفعلي.
التعليقات مغلقة.