الانتفاضة // إلهام أوكادير // صحفية متدربة
قديماً و على سطح هذا الكوكب، لم يكن لليوم نفس الإيقاع الذي نعرفه اليوم، إذ تشير الأبحاث العلمية إلى أن طول اليوم آنذاك لم يكن يتجاوز ثلاثًا وعشرين ساعة تقريبًا، وذلك بفعل دوران الأرض الأسرع، وهو ما كان نتيجة مباشرة لضعف تأثير الجاذبية المتبادلة بين الأرض والقمر في تلك الحقبة الجيولوجية البعيدة.
ومع مرور العصور وتقدم الزمن، بدأ هذا الدوران يتباطأ تدريجيًا، إذ أظهرت الدراسات أن حتى في العصر البرونزي، قبل نحو أربعة آلاف سنة فقط، كان اليوم أقصر بحوالي نصف ثانية مقارنة بطوله الحالي البالغ أربعًا وعشرين ساعة كاملة، وهو تغير يبدو طفيفًا، لكنه يحظى بأهمية بالغة في الحسابات الدقيقة لعلم الفلك وعلوم الأرض.
وفي ظل هذا التباطؤ المستمر، الذي يُعزى إلى قوى المد والجزر وعوامل أخرى داخلية وخارجية، يتوقع العلماء أن يزداد طول اليوم تدريجيًا في المستقبل، إذ تشير النماذج الفلكية، إلى أنه بعد نحو مئتي مليون سنة، قد يصل طول اليوم إلى خمس وعشرين ساعة، وهو ما يؤكد أن الزمن كما نعرفه ليس ثابتًا، بل يعكس ديناميكية كوكب حي يتفاعل باستمرار مع محيطه الكوني.
ويخضع دوران الأرض كذلك لتقلبات يومية دقيقة تتسبب بها عوامل طبيعية كالنشاط الزلزالي، البراكين، وتغيرات الكتلة على سطح الأرض، مثل ذوبان الجليد، إضافة إلى التفاعلات العميقة في بنية الأرض الداخلية، وهي التغيرات قد تكون صغيرة في لحظتها، لكنها تتراكم لتحدث فرقًا ملحوظًا مع مرور الوقت.
ومما أثار اهتمام المجتمع العلمي مؤخرًا، أن الإتجاه العام لتباطؤ الأرض، شهد إنحرافًا غير متوقع منذ عام 2020، إذ بدأت الأرض تدور بسرعة أكبر، وسُجلت أيام أقصر من المعتاد بفارق وصل إلى نحو 1.6 مللي ثانية، حيث تم توثيق الخامس من يوليوز، كأقصر يوم تم رصده حتى الآن، تلته تواريخ أخرى مرشحة في 2025، مثل ال9 و ال22 من يوليوز، و ال5 من أغسطس، وذلك وفق ما أوردته منصة “تايم آند ديت”، إعتمادًا على بيانات “الهيئة الدولية لدوران الأرض والنظم المرجعية”.
وقد تترتب على هذه التغيرات الفلكية الحاجة إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة في تنظيم الوقت العالمي، إذ من الممكن أن نلجأ، ولأول مرة في التاريخ، إلى حذف ثانية كبيسة بدلًا من إضافتها، بحلول عام 2029، مما يعني أن الساعة ستقفز مباشرة من 23:59:59 إلى 00:00:01 دون المرور بـ23:59:60، وهو إجراء يعكس دقة النظام الزمني العالمي، الذي يتطلب توافقًا تامًا بين دوران الأرض والساعة الذرية،
وتدار هذه العمليات عبر هيئة متخصصة تسهر على مطابقة التوقيت العالمي المنسق (UTC) مع الزمن الفلكي، بالاعتماد على أكثر من مئتي ساعة ذرية موزعة على مختبرات علمية حول العالم، حيث تُضاف الثواني الكبيسة تقليديًا في نهايات يونيو أو ديسمبر كلما اقتضى الأمر، غير أن تسارع الأرض مؤخرًا قد يؤدي إلى تأجيل مثل هذه الإضافات إلى أجل غير مسمى.
ورغم عدم وضوح السبب الحاسم وراء هذا التسارع، إلا أن العلماء يرجحون مجموعة من العوامل المتداخلة، منها تحولات في نواة الأرض، أو تفاعل الجاذبية بين الأرض والقمر، أو تغيّرات جيولوجية عميقة، مثل الزلازل أو ذوبان الجليد القطبي، وهي جميعها تساهم في إعادة توزيع الكتلة على سطح الكوكب، وبالتالي التأثير على سرعته ودورانه.
ورغم أن هذه التغيرات ضئيلة جدًا لدرجة لا تؤثر على الحياة اليومية للبشر، إلا أن أهميتها، تكمن في تأثيرها على أنظمة التوقيت العالمية فائقة الدقة، مثل الأقمار الصناعية، حركة الطيران، الملاحة الجوية، والإتصالات عبر الإنترنت، حيث يصبح الفارق في حدود المللي ثانية حاسمًا في ضمان التزامن والدقة.
بهذا، يبدو أن الزمن ليس مجرد وحدات متتالية تقيس حركتنا اليومية، بل هو نبض حي، يتشكل من تفاعل معقد بين الأرض والسماء، بين العلم والكون، في مشهد فلكي لا يتوقف عن التغير والإنكشاف.
التعليقات مغلقة.