الانتفاضة/ سلامة السروت
تشهد عدة دول أوروبية في الآونة الأخيرة انتشار تحذيرات متزايدة بشأن أسلوب احتيال جديد وخطير، يعتمد على استدراج المارة في الشارع العام بحجة طلب المساعدة عبر الهاتف، قبل استغلال الموقف لسرقة بياناتهم البيومترية. هذا الأسلوب، الذي يبدو في ظاهره بريئا، يندرج ضمن تقنيات “الهندسة الاجتماعية” التي تعتمد على خداع الضحية نفسيا بدل اختراق الأنظمة التقنية، ما يجعله أكثر تعقيدا وخطورة.
وتقوم هذه الحيلة على اقتراب شخص من الضحية، غالبا من فئة كبار السن، مدعيا حاجته لمساعدة بسيطة في استخدام هاتفه المحمول، كإجراء مكالمة أو التقاط صورة. غير أن الهاتف يكون مجهزا مسبقا بتطبيقات خفية قادرة على تسجيل الشاشة أو تشغيل الكاميرا دون علم الضحية، ما يسمح بجمع بيانات حساسة مثل ملامح الوجه أو بصمة الصوت خلال لحظات قصيرة من التفاعل.
ويحذر خبراء الأمن السيبراني من أن هذا النوع من الاحتيال لا يستهدف السرقة الفورية، بل يركز على جمع معطيات بيومترية يمكن استغلالها لاحقا بطرق متطورة، خاصة مع التقدم الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي. فباستخدام “التزييف العميق” (Deepfake)، أصبح بالإمكان تقليد الأصوات والوجوه بدقة عالية، ما يتيح للمحتالين انتحال هويات الضحايا لتنفيذ عمليات نصب أو ابتزاز، أو حتى فتح حسابات مالية باسمهم.
وتتفاقم خطورة هذا التهديد في ظل التحول الرقمي الذي يشهده العالم، حيث تعتمد العديد من المؤسسات على التحقق عن بعد باستخدام صور “سيلفي” أو تسجيلات صوتية لإثبات الهوية. هذه التسهيلات، رغم أهميتها، قد تتحول إلى ثغرات يستغلها القراصنة لإنشاء حسابات وهمية أو تبييض الأموال أو تنفيذ أنشطة غير قانونية، بينما يتحمل الضحية العواقب القانونية دون علمه.
وفي المغرب، ورغم عدم تسجيل حالات رسمية من هذا النوع حتى الآن، إلا أن الخبراء يدقون ناقوس الخطر، مؤكدين أن انتقال مثل هذه الأساليب إلى دول أخرى يبقى مسألة وقت فقط، في ظل الانفتاح الرقمي وتزايد الاعتماد على التكنولوجيا في الحياة اليومية.
ولمواجهة هذه المخاطر، يشدد المختصون على أهمية الوعي والحذر في التعامل مع الغرباء، خاصة عند استخدام الهواتف المحمولة. وينصح بتجنب إدخال أي معلومات شخصية أو قراءة رموز سرية على أجهزة غير موثوقة، إضافة إلى ضرورة الامتناع عن التفاعل المطول مع أشخاص مجهولين يطلبون المساعدة بطرق مريبة.
في النهاية، يتضح أن التهديدات السيبرانية لم تعد تقتصر على الفضاء الرقمي فقط، بل أصبحت تتسلل إلى الحياة اليومية عبر مواقف إنسانية عادية. وهو ما يفرض على الأفراد تبني سلوك وقائي واع، يجمع بين الحذر والثقافة الرقمية، لحماية هوياتهم من الاستغلال في عالم يتطور بوتيرة متسارعة.
التعليقات مغلقة.