حين يتحول الهاتف الذكي من أداة نافعة إلى عبء نفسي خفي

الانتفاضة / إلهام أوكادير – صحافية متدربة

في لحظة ما، وأنا أتنقل بين تطبيقات الهاتف دون هدف واضح، وكأن قوة خفية تقودني، توقفت لأسال نفسي، هل ما أفعله ضروري؟ هل من المنطقي أن أقضي هذا الكم من الوقت أمام شاشة صغيرة، تسحبني من عالمي الحقيقي، نحو عالم سريع، متقلب، ومليء بالمقارنات؟

إن ما دفعني للكتابة عن هذا الموضوع، ليس فقط الفضول العلمي، بل إحساس داخلي بأن كثيرًا منا، و دون أن يشعر، أصبح سجين هاتفه.

فنحن لا نمسك به فقط، بل نحمله معنا أينما كنا، حتى في أكثر اللحظات التي يُفترض أن تكون هادئة أو عائلية أو خاصة بنا، فبطريقة أو بأخرى، منحناه معنىً كبيراً في حياتنا اليومية، العملية، الدراسية، وحتى الإجتماعية، ما مكنّه من سلبنا لإرادتنا الذاتية في استبعاده.

فمن خلال قراءة دراسات علمية عدة بخصوص الموضوع، اتضح أن، الاستخدام المفرط للهاتف الذكي، يرتبط بشكل وثيق، بارتفاع نسب القلق والاكتئاب، خاصة لدى الشباب والمراهقين، حيث تعود أسباب هذا التأثير النفسي الخطير، إلى المقارنات السلبية على وسائل التواصل، و اضطرابات النوم الناتجة عن التعرض المستمر للضوء الأزرق، الذي يؤثر على الميلاتونين، الهرمون المسؤول عن النوم فضلاً عن أضرارٍ أخرى.

لكن الأخطر من ذلك، هو أن الدماغ نفسه، يتأثر من مجرد انتظار إشعار على الهاتف، فهذه الحالة النفسية التي نسميها اليوم بـ”FOMO” – أي الخوف من فوات شيء ما – تجعلنا دائمًا في حالة يقظة وتوتر، دون أن ننتبه غلى أن أعصابنا تستهلك ببطء، ومزاجنا ينهار دون سبب واضح.

إن هذا ليس بمقال علمي بحت، بل هو دعوة صادقة للإنتباه، فالخطر يقترب منا دون أن نشعر به. خطر يهدد جودة علاقاتنا، نومنا، تركيزنا، وحتى إحساسنا بذواتنا. فكم من مرة شعرنا بعدم الرضا عن أنفسنا، فقط لكوننا رأينا شخصًا “يبدو” أنجح أو أجمل أو أسعد منا على منصات التواصل الإجتماعي؟

ما نريده اليوم، ليس أن نتخلى عن هواتفنا، فهذا أمر غير واقعي، بل أن نعيد النظر في كيف وكم نستخدمها، و أن نمنح أنفسنا لحظات من الانفصال، من الصمت، من التأمل، أن نعود لأحاديث العائلة، لنظرة العين، لدفء اللقاءات غير الرقمية.

قد تبدو هذه الكلمات بسيطة، لكنها بالنسبة لي، نتيجة قناعة وتجربة وملاحظة، أرجو من خلالها أن أكون قد ساهمت، ولو قليلاً، في زرع لحظة وعي في نفس كل من يقرأ، فالهاتف الذكي أداة قوية، لكننا من نملك قرار جعله وسيلة نُحسن استخدامها، أم نسمح لها بالتحكم بنا دون ردّ فعل يذكر

التعليقات مغلقة.