وهبي… من معارض فصيح إلى وزير متلعثم

الانتفاضة // توفيق بوعشرين

مقالنا اليوم عن رجل دخل الوزارة بلسان طويل… وسيخرج منها بسجل ثقيل!
نعم، نتحدث عن عبد اللطيف وهبي، وزير العدل بدون حريات .

ورغم صداقة سابقة جمعتني به، فإني اليوم أخاطب الوزير… لا الصديق القديم .
فكما يقال في السياسة : “حين يدخل الصديق عالم السياسة، لا بد أن تخلع عنه ثوب الصداقة مؤقتاً… على الأقل .”

العدّ التنازلي بدأ.

لم يبق لوهبي عمرٌ طويل في الوزارة… وسيغادرها مثلما غادرها آخرون قبله بعد سنة وزيادة اي بعد غد …
السلطة فتنة والمنصب مثل الخمرة إذا لم تحتط منها تلعب بك ، رغم أن وهبي لا يقرب المسكرات خفيفها وثقيلها …
وهبي سيخرج من الوزارة بثلاث بقع سوداء على جلابته البيضاء وربما تلاحقه هذه (الخطايا السياسية) باقي عمره…

وقد تطرد النوم من عينيه عندما يعود إلى البيت، ويتبخر سحر الأبهة، والكاميرا، وسلام البوليس والشواش و”سعادة الوزير” وكثرة الاتصالات والاستقبالات والأسفار وما يحيط بالوزارة من بريق وحفلات واستقبالات وهدايا ومزايا .

1/ الزلة الكبرى… تشريع بلا إصلاح

جل القوانين التي جاء بها وهبي خرجت إلى الوجود بلا روح إصلاحية، بلا حس ديمقراطي، بلا أدنى تقدم في الشفافية ومحاربة الفساد.

أعطيكم أمثلة أو أدلة وقرائن بلغة المرافعات القانونية …

  • ضرب المحامي الوزير في العمق مشروع قانون محاربة الإثراء غير المشروع، وكان الوزير الأسبق مصطفى الرميد قد وضعه ضمن مشروع القانون الجنائي لمساءلة كبار الموظفين المستأمنين على أموال دافعي الضرائب …جاء الوزير الجديد وألغاه من القائمة إرضاء لكبار الحيتان في الإدارة وإرضاء لأخنوش الذي يكره شيء إسمه المساءلة أو المحاسبة أو سؤال من أين لك هذا ؟
  • أغلق الوزير الباب في وجه الجمعيات والأفراد الراغبين في التبليغ عن الفساد أمام القضاء ، رغم أن المغرب صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والتي تقول بوضوح: شجعوا المجتمع المدني والصحافة على التبليغ عن المفسدين … لكن وهبي قال: سدّ الباب! وجعل من تراتبية القوانين شيء من الماضي فالدستور يوصي بجعل التشريع الدولي فوق التشريع الوطني …لكن على من تتلوا زابورك أيها الدستور …

والمبرر أكثر سخرية من مسرحيات كبور والشعبية أن قال الوزير :(إن بعض رؤساء الجمعيات يبتزّون المنتخبين وبعضهم لديه فيلا وسيارة وهو عاطل عن العمل).
…هل هذا مستوى في النقاش والسجال أمام البرلمان …إذن أمس قام مواطن غير مسؤول بالسياقة في حالة سكر وقتل خمسة مواطنين …إذن لنلغي اليوم السياقة في الطرق ونصادر كل المركبات من البلاد !

  • رفض الوزير الاستجابة لمطالب الحقوقيين بجعل حق المتهم في المطالبة بحضور المحامي معه أثناء التحقيق والإستجواب في مخافر الشرطة والدرك الملكي …في نصوص قانون المسطرة الجنائية… لكن الوزير رفض هذا المقترح.

قانون المسطرة الجنائية هذا يحتاج إلى (رموك )من (جاڤيل) لغسل مواده وتنظيفها من كل ما يجعل محاكماتنا غير عادلة …
الوزير أدخل إلى نص القانون الجديد اعتماد الكاميرات في مراكز الشرطة ، لكنه أفرغ هذا الإجراء من محتواه ،الكامرات ستسجل فقط اللحظة الأخيرة: توقيع المحضر دون غيرها ، أي أن اللحظات الأخطر ـ أي لحظة الاستجواب والتحقيق ـ بقيت خارج العدسة!
قالوا: “وضعوا الكاميرا في المطبخ… لكن الطبخة تُعدّ في مكان آخر!”

وهبي، إبن سوس، أصبح يُعطى إسمه وتوقيعه لتشريعات خالية من أي دسم ديمقراطي …

ومن لسانٍ معارض طويل، صار موظفًا لينا في أسوء حكومة في تاريخ المغرب ومن سيعيش سيحكي عن مغرباتها .

2/ وهبي… العدو الأول للصحافة

الوزير سيغادر الحكومة وهو حاملٌ للقب جديد:
العدو الأول للصحافة الحرة أو ما بقي منها …

والمسدس الأول الذي أطلق الرصاص على صاحبة الجلالة… التي لم يبق فيها من الجلالة إلا الاسم!
نعم، دخلت الصحافة بيت الطاعة…
وصارت دميّة تؤدي الجزية كل صباح من استقلاليتها، ومهنيتها، وهيبتها ومع ذلك لم يرحمها السيد الوزير .

وهبي، الذي صنع الجزء الأكبر من إسمه السياسي في الإعلام ـ كتابةً واستجوابًا وظهورًا ـ انقلب على الصحافة .

حتى أن أحد قادة حزب الأصالة والمعاصرة الذي كان في حرب مع وهبي قال لي مرةً:
“أنت ساهمت في صنع إسم وهبي حين فتحت له صفحات أخبار اليوم ليكتب رأيًا أسبوعيًا.”
أجبته:
“هذه تهمة لا أنكرها. فالصحافة مهمتها أن تفتح الصفحات لكل صاحب رأي… لا أن تخيط له كمامة!”

اليوم، يطارد وهبي الصحفيين وخاصة الزميل حميد المهداوي وآخرون بيت بيت، دار دار، زنقة زنقة…
في مشهد (قذافي الطابع)، لا يليق بوزير العدل.
هل نذكّره أنه كان عضوًا في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان؟

الجمعية ذاتها التي حرمها من أي دعم لتنظيم مؤتمرها الذي سيعقد غدا في بوزنيقة !
بينما مصطفى الرميد، المحسوب على الضفة المقابلة فكريًا وأيديولوجيا للجمعية ، كان يدعمها سنويًا بمنح من المال العام باعتبارها جمعية ذات نفع عام ، وباعتبارها الصوت الأقوى والأكثر تأثيرا في الدفاع عن حقوق الإنسان في المغرب وخارجه …

فمن هو المحافظ ومن هو التقدمي؟
ومن انقلب على من؟
قال الراحل عبد الرحيم بوعبيد ذات يوم:
“في المغرب… اليسار حين يدخل السلطة، يتحوّل إلى يمين بدون فرامل!”

3/ المحامي… الذي أهان المحامين

وهبي سيغادر الوزارة وقد ساهم في تعزيز فكرة كانت شائعة:
أن أغلب المحامين لا يصلحون لتولي حقيبة العدل!
خاض معارك طاحنة مع زملائه في المهنة…ولأسباب تافهة جدا …

تنكر لفكرة الدفاع عن “دولة الحق والقانون”،
وتحوّل إلى عجينة لينة في يد مهندسي المساطر والقوانين.
صار يشتغل على المقاس، لا على المبدأ!

وعلى الرغم من لسانه الطويل، فقد أثبت أن شجاعته السياسية أقصر من لسانه، وأن القول أسهل من العمل ،
وأن صلابته التشريعية أضعف من مواقفه الإعلامية…

أول أمس أخرج عينية في وجه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذين عارضوا إقفال باب التبليغ عن الفساد في نصوص مشروع القانون الجديد ..وقال عنهم الوزير إن هذه الموسسات الدستورية نسيت مهامها الدستورية، وهي تتدخل فيما لا يعنيها، وأنه ليس من حقها أن تقول رأيها في القوانين، وأن التشريع من صلاحيات البرلمان وليس من صلاحيتها).

في نفس الوقت تنازل هو عن صلاحياته وعن صلاحيات البرلمان وسمح لهيئات أخرى أن تتدخل في توجهات مشاريع القوانين التي أتى بها …

ففي اجتماع سابق مع لجنة العدل والتشريع في البرلمان قال إنه توافق مع الهيئات القضائية والشرطة والدرك على بنود عدة في المسطرة الجنائية، و (هاد الشي اللي عطا الله) ولا تلوموني على شيء، (هادشي اللي قدرت عليه …الله غالب) …لا تحدثون على ماجاء به الرميد فماجاء به لم يمر !!

مرة قلت لصديق مشترك بيني وبين الوزير:
“إن مهاجمة بنكيران المستمرة لوهبي هي من أطال عمره في الوزارة!”

الإنجاز الوحيد للسيد الوزير ؟

نعم، ربما سيُسجّل لوهبي الوزير وليس الصديق إنجازا وحيدا لمروره بوزارة العدل :
أنه غيّر مكتب الوزير من طابق خافت خانق وكئيب بلا ذوق، إلى مكتب فسيح، مضيء، في بناية جرى تجديدها وإعادة تأثيثها …
ربما كانت مخصصة للأرشيف، وربما مر بها السلطان محمد الخامس رحمه الله يوما ما …
أعاد الوزير طلاء البناية … علّق فيها لوحات فنية … ووضع لها إضاءة جيدة ثم جلس من هناك يصدر التعليمات .
هذا هو إنجاز الوزير.
أما العدالة؟
فلا تزال في الطابق السفلي، تنتظر من يأخذ بيدها وينير طريقها وهي مهمة مؤجلة إلى موعد آخر..

التعليقات مغلقة.