عبودية الشهادة وصكوك الغفران الأكاديمي

الانتفاضة // أبو علي بلمزيان

قالك “رغم القيل والقال”، والكلام صادر عن تافه ، وكأننا بصدد همسات نساء الحي أو فصول من نوادر المقاهي، لا نحن أمام فاجعة أخلاقية ومؤسساتية تهز أركان التعليم العالي في هذا البلد.

قالها وكأن اعتقال أستاذ جامعي بجامعة ابن زهر وهو يبيع الشهادات الجامعية لا يمثل شيئاً أكثر من إشاعة مغرضة، أو زلة فردية لذئب شارد وسط قطيع ملائكي.

هذا ليس مجرد تواطؤ لغوي بل هو خطاب ممنهج في تبرير الانحطاط، تلميع وجه الرداءة، وتسويق الفضائح الأكاديمية تحت مسمى “القيل والقال”، وكأنها سحابة صيف عابرة.

حين تتحول الشهادة الجامعية إلى سلعة، وتُعرض في سوق النخاسة مقابل دراهم معدودات، فإننا لا نكون أمام “شخص منعدم الضمير”، بل أمام بنية متكاملة من الفساد، مؤسسة تقتات على التواطؤ، وتعيش من صفقات الصمت الجماعي، حيث يتحول العلم إلى وهم، والجامعة إلى مقاولة لتفريخ أشباه المتعلمين.

الاعتقال الأخير ليس بداية ولا نهاية، إنه تجلٍّ لحقيقة دفينة يعرفها الجميع ويتواطأ على إخفائها الجميع.

أما من يُصر على الحديث عن “معلمة علمية كبيرة”، فهو يمارس التضليل عن سبق إصرار، يتلو تراتيل التقديس على أنقاض الخيبات، ويغني للكرامة المسروقة بلسان كاذب.

الذين يبيعون الشهادات لا يشتغلون في الظل، ولا يتحركون وحدهم، بل تحميهم شبكات من الفساد الإداري والسياسي والمصلحي، تبدأ من بيروقراطية الجامعة ولا تنتهي عند حدود السلطة الجهوية.

والذين يزينون هذا الخراب بعبارات التبجيل ويتحدثون عن “رجال ونساء ساهموا في بناء الوطن”، إنما يحاولون خلط الأوراق: يلبسون النزهاء عباءة التبرير الجماعي، ويحتمون بالماضي لستر الحاضر، ويحولون الجريمة إلى مجرد استثناء بين “شرفاء”.

أي شرف هذا الذي يُستخدم كدرع لحماية الفساد؟ وهل من النزاهة الصمت عن مهزلة تهدد مصير أجيال كاملة وتنسف قيمة الجامعة في وجدان المجتمع؟

ما حدث في جامعة ابن زهر ليس حدثًا معزولًا.

إنها القمة التي برزت من جبل الجليد.

شهادات تباع، بحوث تُحرر بأجر، نقط تُفصَّل حسب الطلب، والتقييم العلمي يُستبدل بالولاء. في هذه السوق السوداء، لا معنى للجد، ولا قيمة للمعرفة، ولا مكان للضمير. الجامعة التي كان يُفترض أن تكون بيت العقل تحولت إلى مسرح لعبث النخب الزائفة، التي لا ترى في المؤسسة سوى وسيلة للتسلق الاجتماعي ومراكمة الامتيازات.

هذه ليست حالة شاذة كما يحاول التافهون تصويرها، بل هي جزء من سياسة خنق التعليم العمومي، منطق السوق الذي حول المعرفة إلى خدمة مدفوعة، وأفرغ المؤسسات من مضمونها التحرري.

أن تتحدث عن “الفن الراقي” و”الهوية” و”النضال”، لتبرير الصمت عن بيع الشهادات، فهذا قاع جديد من الابتذال الرمزي.

لا وجود لفن راقٍ حين يُفرَّغ العقل من معناه، ولا نضال حقيقي حين يُخنق الطالب الشريف بجبال من الظلم والتمييز.

الذين يحاولون إقناعنا بأن الفساد “حادث عرضي”، و”تصرف فردي”، و”لا يسيء للجامعة”، هم في الحقيقة حراس بوابة الانحطاط، سدنة معبد الرداءة الذين يرون في كل صرخة احتجاج تهديدًا لسلطتهم الرمزية.

هم ليسوا سوى تجار مواقف، يبيعوننا خطاب الوطنية والنزاهة في الوقت الذي يتسترون فيه على جرائم تقوِّض أسس الدولة والمجتمع.

نعم، هناك من ناضل هناك، وهناك من علّم بضمير. لكن لا أحد منهم طلب من أحد أن يتستر على جريمة باسم التاريخ.

النضال لا يعني الصمت، والنزاهة لا تلغي المحاسبة.

الذين “يعملون بجد وأمانة” لا يحتاجون إلى مَن يتحدث باسمهم لتبرير سقوط الآخرين.

أما الذين يبررون الفساد تحت ذريعة الاعتراف بالجميل، فهم شركاء في الجريمة، ولو غلفوها بمساحيق اللغة الرنانة والدعاء المغشوش.

كل من يتحدث اليوم عن “سمعة الجامعة” بدل محاسبة من أهانها، لا يدافع عن الشرف بل يغتاله.

وكل من يعتبر الحديث عن الفساد “قيلًا وقالًا”، لا يدافع عن المؤسسة بل يجهز عليها بسكين التواطؤ.

كفى من النفاق.

كفى من تقديم الأكفان المعطرة للجثث المتعفنة.

كفى من التستر على الانحطاط تحت قناع الانتماء.

من يبيع الشهادات،

يبيع الوطن.

ومن يبرر فعله، يبيع الضمير.

والجامعة التي لا تحاكم خائنيها، لا تستحق أن تُكرّم نزهاءها.

التعليقات مغلقة.