الانتفاضة // حسن المولوع
قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ [النحل: 127]
بهذا النور الرباني أستهل رسالتي، إلى رجلٍ صبرُه من الله، وثباته من الحق، وقلبه معلّق بوطن أحبّه، ودفع ثمن صدقه.
تحية تليق برجلٍ لم يُبدّل ولم يُساوم،
تحية بحجم الوطن الذي يسكنك، وبحجم الجراح التي طهّرتها بكلمة صادقة، وبصوت لا يخذل، ولا ينكسر…
لك يا حميد، يا من ذاق مرارة المحنة، لكنه لم يتخلَّ عن شرف المبدأ، ولا عن قَسَم الكلمة.
يا من ناديتَ بالحقّ حين صمتت الحناجر، ووقفتَ وقفة الرجال في زمن الانحناء،
يا من سكنت فينا، لا لأنك ادّعيت البطولة، بل لأنك كنتها، في صمتك كما في صراخك، في محنتك كما في صلابتك.
أكتب إليك، لا لأنك بحاجة إلى شهادة من أحد، بل لأنّ الوفاء دين، ولأنّ السكوت عن الشجعان خيانة.
أكتب إليك، وكل حرف في هذا البيان، يحمل وجعَ شعب، وأملَ أمة، وحنينَ وطن إلى من بقوا واقفين في زمن السقوط الكبير.
ما وجدتُ أصدقَ من الوحي كلاما، ولا أعمقَ منه معنى، ولا أبلغَ منه مفتتحا، لأستهلّ به رسالتي إليك، وأنا أحسبك من الصادقين، ولا أزكّي على الله أحدا.
﴿ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ﴾ [القصص: 35]
يا حميد…
أيها المُبتلى في سبيل الكلمة، المُكرَّم في ميزان الحقيقة، المُضيء في زمن العتمة،
لك الله يا أخي، ولك منا الدعاء، ولك منا الوفاء.
يا من لامستَ جراح الوطن بندى الكلمات، وضمّدتَ عوراته بحرارة المواقف، وكنتَ في زمن الانبطاح واقفا، شامخا، مرفوع الهامة…
لم تَحد، ولم تَحنِ جَبينَك إلا لله، ولم تُساوِم على مبدأ، ولم تَبِع صوتك في سوق النخاسة، ولم تُخضع مواقفك لعصا السلطة.
أخي حميد،
اعلم أن الطرق الممهّدة لا تصنع العظماء، وأن الذين كُتب لهم أن يُدوِّنوا أسماءهم في دفاتر التاريخ، قد مرّوا من دروب كلّها أشواك، وواجهوا من الظلم ما يعجز عنه الوصف، لكنهم صبروا، فرفعهم الله، وثبتوا، فأكرمهم الله.
أنت الآن تقف أمام المحكمة، لا لأنك خنت الوطن، بل لأنك أحببته بصدق، لا لأنك أجرمت، بل لأنك نطقت بالحق، ولا لأنك نشرت فتنة، بل لأنك كشفتها، ولا لأنك خرقت القانون، بل لأنك رفعتَ سقف الضمير.
لقد أُدخلتَ قفص الاتهام لأنك حرّ، وأُلبست التّهم لأنك طاهر، وتكالبوا عليك لأنك صدحتَ في زمن الهمس، ورفعت صوتك حين باعوا الصمت في أسواق الذل.
يا حميد،
ما أحوجنا في زمن الانكسارات إلى من يشبهك، وما أشدّ فخرنا بأنك منّا، وأننا إخوة لك، نُشدّ عضدنا بك، كما شُدّ عضد موسى بأخيه.
فاصبر يا أخي، فإن موعد الحرية آت، والنصر لمن صدق، والمجد لمن ثبت، وستُفتح الأبواب، ويُعلَن الإنصاف، ويعلو وجهك نورا في ساحات الحق، وسيعلَم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون…
وسيُقال يوما:
هنا مرّ رجلٌ لم يُساوِم…
هنا مرّ حميد المهدوي.
وختاما، يا حميد،
قد يطول الليل، ويشتدّ سواده، لكنّ الفجر آت لا محالة، وقد يعلو صوت الظلم حينا، لكنه ينكسر لا محالة على صخرة الحق.
فاصبر، واحتسب، وابقَ كما عهدناك: صادقا، شامخا، لا تلين.
واعلم أنّ في كل زاوية من هذا الوطن، من يدعو لك، ويعتزّ بك، ويتعلّم من صبرك، وأنّ التاريخ لا يحفظ إلا أسماء الذين واجهوا، ووقفوا، وثبتوا، وسيظلّ اسمك محفورا في ذاكرة هذا الشعب، لا لأنك طلبت المجد، بل لأنك اخترت الصدق حين عزّ الصادقون.
دمت حرًّا، ودام صوتك شاهدا على زمن حاولوا فيه قتل الحقيقة… ولم يفلحوا.
دمت بخير يا أخي الذي لم تلده أمي
التعليقات مغلقة.