الانتفاضة
تخلد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى جانب الأسرة الإعلامية وكافة مناصري حرية الرأي والتعبير عبر العالم، اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1993، والذي يتم تخليده في الثالث من ماي من كل سنة. وقد اختارت منظمة اليونسكو لهذه السنة موضوع: “الصحافة: بناء عالم يسوده السلام”؛ للتأكيد على أن الوصول إلى الحقيقة هو المدخل الأساسي للسلم العالمي، وأن الصحافة المستقلة هي الضمانة الأساسية لكشف تجار الحروب ومنتهكي حقوق الإنسان، حيث لا يمكن بناء سلام مستدام دون حماية فعلية لسرية المصادر الصحافية التي تعد شرطا وجوديا لتدفق الحقيقة.
ويأتي تخليد هذا اليوم في ظل حصيلة تراجيدية برسم سنة 2025، حيث سجل مقتل 78 صحافيا وعاملا في مجال الإعلام عبر العالم، فيما يواجه 535 صحافيا ظلمات السجون بنهاية السنة الماضية، وسط تصاعد مخيف لسياسة الإفلات من العقاب؛ وهي أرقام صادمة تكشف زيف الشعارات الدولية حول حماية الحقيقة وتتطلب تفعيلا حقيقيا للمواثيق الدولية ذات الصلة.
وعلى المستوى الوطني، تسجل الجمعية بقلق شديد استمرار تقهقر المغرب في التصنيفات الدولية لحرية الصحافة لعام 2026، في ظل غيابالضماناتالدستوريةوالقانونيةالكافيةلحمايةالحقالأساسيفيحريةالصحافة،واللجوء الدائمإلىالقانونالجنائي،عوضقانونالصحافةوالنشر،لمتابعةالصحافيين/اتوالمدونين/آتوتجريمالتعبيرالمشروععنالرأيبمافيذلكعبرالانترنيت،ومواصلةحملاتالمتابعاتوالاعتقالاتالتعسفيةوالمحاكماتغيرالعادلةفي حقهم/ن. هذا فيما تصرالسلطات على نهج سياسات الضبط والتحكم التي تفرغ شعارات “التنظيم الذاتي” من محتواها، لا سيما من خلال مأسسة الوصاية عبر استمرار “اللجنة المؤقتة” لتدبير شؤون الصحافة، وهو ما يعتبر مأسسة لحالة الاستثناء، وضربا لمبدأ الانتخاب الديمقراطي الحر الذي تنص عليه المادة 28 من الدستور والمعايير الدولية.
كما ترصد الجمعية التفافا واضحا على استقلالية المجلس الوطني للصحافة من خلال مقتضيات القانون 09.26 التي أبقت على هيمنة السلطة التنفيذية، والالتفاف على قرارات المحكمة الدستورية؛وذلك بموازاة مع استمرار سياسة الإقصاء وحرمان الصحافيين المستقلين ومعتقلي الرأي، وعلى رأسهم سليمان الريسوني وعمر الراضي وحميد المهداوي، من صفتهم المهنية ومن حقهم في العمل.
بناء على هذا الوضع القاتم، يعبر المكتب المركزي للجمعية عما يلي:
- إدانته بشدة لجوء السلطة إلى “القوانين الزجرية”، عبر توظيف فصول القانون الجنائي ومتابعات الحق العام لملاحقة الأقلام الناقدة، كالتفاف مفضوح على “إلغاء العقوبات السالبة للحرية” في قانون الصحافة والنشر؛
- دعوته إلى الإفراج الفوري والشامل عن كافة الصحافيين/ات ومعتقلي/ات الرأي، وإلغاء كافة المتابعات الأمنية والقضائية الجائرة والسياسية الصادرة بحقهم/ن، مع رد الاعتبار لهم/ن ولأسرهم/ن كمدخل أساسي للمصالحة مع الحقيقة؛
- مطالبته بإقرار تنظيم ذاتي حقيقي ينبثق من القواعد المهنية الخالصة، عبر إجراء انتخابات حرة ونزيهة، بعيدا عن منطق “كوطا” التعيين الحكومي وصيغ “اللجان المؤقتة” التي تكرس حالة الاستثناء وتضرب استقلالية المهنة في العمق؛
- تأكيده على ضرورة الملاءمة الفعلية والشاملة للقوانين الوطنية مع المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية؛ وهو ما يقتضي بالضرورة إلغاء كافة المقتضيات الزجرية السالبة للحرية في القانون الجنائي التي يتم توظيفها كقوانين بديلة لملاحقة الصحافيين/ات في قضايا النشر والتعبير؛
- تشبثه بوجوب جعل الصحافة، وعلى رأسها وسائل الإعلام العمومية، في خدمة قيم حقوق الإنسان، وفتح المجال أمام كل الهيئات والمشارب الفكرية والسياسية والثقافية للتعبير عن آرائها والاستفادة من خدمات الإعلام العمومي؛
- الحاحه على وضع حد للاعتداء على حرية الصحافة، والتحريض على الكراهية والعنف والوصم ضد الصحافيات والصحافيين، مثيرا انتباه المسؤولين إلى اتساع دائرة التشهير والتنمر التي تطال الأصوات المنتقدة للدولة؛مما يستلزم تدخل الجهات المسؤولة والسلطة القضائية للجم ووقف صحافة التشهير، لما تسببه من أضرار للمجتمع والضحايا؛
- تشديده على وجوب الوقف نهائي لسياسات التجسس الرقمي والمراقبة التي تستهدف الهواتف والمصادر الصحافية، مع توفير الضمانات القانونية والميدانية التي تكفل بيئة آمنة وحرة للعمل الإعلامي بعيدا عن منطق الترهيب والتشهير الممنهج؛
- دعوته إلى النهوض بأوضاع الصحفيين/ات المهنية والاجتماعية،وتوفير الدعم لجميع العاملين/ات في قطاع الصحافة دون إقصاء أو تمييز، ووفق معايير الشفافية، والوضوح والاستحقاق، متوافق عليها داخل الجسم الصحفي.
إن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي تجدد تضامنها المطلق مع كل ضحايا حرية التعبير، تؤكد أن لا سلام حقيقيا ولا ديمقراطية بدون حرية صحافة مستقلة وتعددية، وأنه ستظل وفية لخطها النضالي الكوني في فضح كل محاولات تدجين الحقل الإعلامي ومحاصرة الحق في التعبير.
المكتب المركزي:
الرباط، في 03