بين حرية النشر وحدود المساءلة: عندما تتحول “السلطة الرابعة” إلى طرف في اختبار الشفافية

الانتفاضة// شاكر ولد الحومة

لم يعد الجدل الذي فجرته حلقة برنامج “ديرها غا زوينة” مجرد تفاعل رقمي عابر، بل تحول إلى لحظة كاشفة لطبيعة التوازن الهش بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية في المشهد الإعلامي المغربي، فمع تصاعد التراشق غير المباشر بين الصحافية بدرية عط الله والوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري، دخل النقاش مرحلة أكثر حساسية، عنوانها الانتقال من التداول الإعلامي إلى أفق التقاضي.

الحلقة التي أعادت فتح ملف وصف بـ”الحساس” لم تكتف بعرض معطيات، بل قدمت سردية متكاملة بنيت، حسب مقدمتها، على وثائق خضعت للتحري والتدقيق، وهو ما يعيد التذكير بالدور الجوهري للصحافة كـ “سلطة رابعة”، لا تقتصر وظيفتها على نقل الخبر، بل تمتد إلى البحث والتقصي، وجمع المعطيات، وتقديمها للرأي العام ولمختلف السلط، اعتمادا على الوثائق والحجج.

وفي هذا السياق، فإن ما قامت به المنصة الإعلامية من نشر لمعطيات مبنية، وفق طرحها، على وثائق، يندرج ضمن صميم العمل الصحفي الاستقصائي، الذي يفترض فيه إثارة الأسئلة وفتح الملفات للنقاش العمومي، لا سيما حين يتعلق الأمر بشخصيات عمومية ومؤسسات لها تأثير مباشر على الشأن العام.

غير أن قوة الطرح، التي اعتمدت أسلوبا مباشرا وتضمنت إشارات إلى أسماء وازنة، و تنزيل وثائق قوية كانت سلاحا ذا حدين: فقد وسعت دائرة النقاش، لكنها في الوقت ذاته رفعت من منسوب المخاطر القانونية، خاصة عندما تقدم بعض الاستنتاجات بصيغة قد تفهم على أنها حسم للوقائع قبل التحقق المؤسساتي النهائي،
في المقابل، لم تتأخر فاطمة الزهراء المنصوري في الرد، لكن اختيارها لمنصة فيسبوك للإعلان عن موقفها لم يكن تفصيلا عابرا. فالبلاغ لم يكن توضيحي بل كان بلاغا تهديديا و لم يقتصر على نفي ما تم تداوله واعتباره “غير دقيق”، بل حمل لهجة حازمة تلوح باللجوء إلى القضاء، مع التهديد بمتابعة كل من يساهم في إعادة نشر المضامين محل الجدل.
غير أن هذا الأسلوب في التواصل يطرح بدوره تساؤلات مشروعة، فالرأي العام، وهو يتابع هذا النوع من القضايا، لا ينتظر فقط بيانات نفي أو إشارات إلى مسارات قانونية، و تهديد بعدم النشر بقدر ما يتطلع إلى توضيحات مدعّمة بالحجج والوثائق التي تفنّد المعطيات المتداولة بخصوص شخصيات سياسية منتخبة من طرف المواطنين.

ففي حالات مماثلة، يشكل تقديم الأدلة المضادة والتفسير المفصل خطوة أساسية لترسيخ الثقة وتنوير المواطنين.
كما أن المسؤول السياسي، بحكم موقعه الذي يستمده من إرادة الناخبين، يكون مطالبا بقدر أعلى من الشفافية والانفتاح على النقد، فالتفاعل مع القضايا المثارة لا يُقاس فقط باللجوء إلى القضاء، بل أيضا بمدى الاستعداد لتقديم رواية واضحة و مثبتة بوثائق حاسمة ومقنعة للرأي العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات تهم الشأن العام.

في المقابل، يبقى على العمل الصحفي أن يحافظ على توازنه الدقيق بين الجرأة المهنية والالتزام الصارم بمعايير الدقة والتحقق، لأن قوة الوثيقة لا تُغني عن ضرورة تأطيرها وتقديمها في سياق يجنب الوقوع في التأويل أو التسرع في الاستنتاج.

القضية اليوم، في عمقها، تتجاوز أطرافها المباشرين، فهي تعكس توترا بنيويا في العلاقة بين الإعلام والسلطة، حيث يظل كل ملف حساس اختبارا مزدوجا، للإعلام في مصداقيته، وللمسؤولين في شفافية تواصلهم .
كما تكشف عن تحول لافت في تدبير الأزمات، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاء موازيا لإدارة النقاشات العمومية، وأحيانا لتصعيدها.

في النهاية، يبدو أن هذا الملف دخل مرحلة الحسم المؤجل، فبين رواية إعلامية تقول إنها تستند إلى وثائق، ورد رسمي يلوح بالقضاء، يبقى الفيصل الحقيقي هو ما ستكشفه الأيام المقبلة، وحدها المساطر القانونية، إلى جانب ما قد يقدم من أدلة وقرائن، قادرة على تحويل الادعاءات إلى حقائق أو إسقاطها.

لكن لا ننسى دور وزارة الداخلية و المجلس الأعلى للحسابات في البحث و إعداد تقارير في الموضوع و تقديمه للجهة المعنية لتطبيق القانون.

وإلى ذلك الحين، سيظل السؤال قائما: هل نحن أمام ممارسة صحفية تقوم بدورها في كشف المعطيات وطرح الأسئلة، أم أمام حالة تستدعي إعادة ضبط حدود النشر؟.
الإجابة، كما العادة، لن تحسم في ضجيج الفضاء الرقمي، بل في ميزان القانون.. وفي اختبار الشفافية و في تدخل الجهات المسؤولة.

التعليقات مغلقة.