الانتفاضة/ بقلم: سيداتي بيدا
في مشهد يكاد يصلح لفصل ساخر من كتاب عن سوء فهم معنى الصحافة، وجد طاقم صحفي تابع للقناة الثانية المغربية «دوزيم» نفسه، داخل سبتة المحتلة، أمام تجربة لا علاقة لها بأخلاقيات المهنة ولا بأبجديات التعامل مع الإعلاميين: تفتيش مهين، واستنطاق غريب، وإجراءات تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من الأجوبة.
ولأن السلطة الرابعة، في بعض الجغرافيات، تبدو وكأنها جواز سفر بلا حصانة مهنية، فقد كان على الصحفيين أن يشرحوا ما لا يحتاج إلى شرح: لماذا يحملون الكاميرا؟ لماذا يصورون؟ ولماذا يمارسون عملهم الصحفي؟
يا لها من مفارقة! صحفيون يحملون أدوات مهنة يفترض أنها تحظى بالحماية في الديمقراطيات، فإذا بهم يعاملون وكأنهم يحملون أسرار دولة أو حقيبة ممنوعات. يبدو أن عدسة الكاميرا أصبحت، في نظر البعض، أخطر من الأسئلة التي قد تلتقطها!
إخلاء سبيل الطاقم الصحفي لا يلغي الواقعة، ولا يمحو الإهانة، ولا يجعل الاستنطاق أقل غرابة. فالمسألة هنا ليست مجرد إجراء أمني عابر، بل سؤال أكبر يتعلق بحدود السلطة عندما تتعامل مع الصحافة بمنطق الاشتباه بدل منطق الحقوق.
فالصحفي ليس خصماً للأمن، والكاميرا ليست سلاحاً، والميكروفون ليس أداة تهديد. وظيفة الصحافة هي أن ترى، وتسأل، وتنقل، وتراقب. ومن يخشى الكاميرا أكثر مما يخشى الخطأ، عليه أن يسأل نفسه: ماذا يخيفه في الصورة؟
الأكثر إثارة للسخرية أن الواقعة حدثت في فضاء أوروبي يُفترض أنه يرفع رايات حرية التعبير وحقوق الإنسان عالياً. لكن يبدو أن تلك الرايات قد تنخفض قليلاً عندما يعبر الصحفي إلى منطقة حساسة، فتتحول حرية الصحافة من مبدأ مقدس إلى ملف يحتاج إلى استنطاق!
إن احترام الصحفي لا ينبغي أن يكون منّة من رجل أمن، ولا امتيازاً تمنحه نقطة حدودية، بل حقاً تفرضه قواعد المهنة والقانون والمواثيق الدولية.
وإذا كانت الصحافة هي «السلطة الرابعة»، فإن إهانة الصحفي ليست مجرد إساءة لشخص يحمل بطاقة مهنية؛ إنها صفعة مباشرة لمبدأ حرية الإعلام.
لقد أُطلق سراح طاقم «دوزيم»… لكن السؤال الذي ينبغي ألا يُطلق سراحه هو: من سيحاسب من يعتقد أن تفتيش كرامة الصحفي جزء من مهامه؟