الانتفاضة/ جميلة ناصف
لم يعد النقاش حول حرية الصحافة في العالم مجرد ترف فكري أو قضية نخبوية تخص الإعلاميين وحدهم، بل تحول إلى مؤشر حاسم يقيس مستوى الديمقراطية وجودة المؤسسات ودرجة احترام الحقوق والحريات داخل الدول. وقد كشف التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2026 الصادر عن ” منظمة مراسلون بلا حدود ” في 30 أبريل 2026، عن صورة قاتمة وغير مسبوقة منذ ربع قرن حيث بات أكثر من نصف دول العالم يصنف ضمن خانة الأوضاع الصعبة أو الخطيرة للغاية وهو تطور يعكس تراجعا عميقا في بنية النظام الإعلامي العالمي وتآكلا تدريجيا لحق أساسي يتمثل في الوصول إلى المعلومة.
هذا التدهور لم يأت بشكل مفاجئ، بل هو نتيجة مسار طويل من التراكمات التي بدأت منذ مطلع الألفية الثالثة، حيث تزايدت القيود القانونية وتوسعت مبررات التضييق تحت غطاء الأمن القومي ومحاربة الإرهاب، وهو ما أدى إلى تقليص هامش حرية الصحفيين حتى في دول كانت توصف لعقود بأنها نماذج راسخة للديمقراطية .وقد سجل المؤشر القانوني أكبر تراجع مقارنة ببقية المؤشرات ما يعكس توجها عالميا نحو تجريم العمل الصحفي بشكل مباشر أو غير مباشر سواء عبر قوانين استثنائية أو من خلال توظيف القضاء في تصفية الحسابات.

وفي هذا السياق العالمي المتأزم، يبرز المغرب كحالة تستحق التوقف والتحليل حيث احتل المرتبة 105 عالميا، وهو موقع يعكس وضعا متوسطا داخل بيئة إقليمية معقدة تتسم بتراجع عام في حرية الصحافة، ورغم أن هذا الترتيب لا يضع المغرب ضمن الدول المتقدمة في هذا المجال فإنه في المقابل لا يدرجه ضمن أسوأ الحالات كما هو الشأن بالنسبة لعدد من دول المنطقة التي تعاني من أوضاع أكثر هشاشة أو من نزاعات مسلحة تؤثر بشكل مباشر على العمل الإعلامي.
ويكتسب هذا التصنيف دلالته من كونه يأتي في سياق إقليمي متوتر حيث احتلت موريتانيا المرتبة 61 كأفضل دولة في شمال إفريقيا، تلتها قطر في المرتبة 75، ثم المغرب في المرتبة 105، وهو ما يضع المملكة في موقع وسط بين نماذج متفاوتة من حيث درجة الانفتاح الإعلامي ويعكس في الآن ذاته وجود هامش من التعددية الإعلامية مقابل استمرار تحديات مرتبطة بالإطار القانوني والاقتصادي للمهنة.
غير أن قراءة هذا الترتيب لا يمكن أن تتم بمعزل عن السياق الدولي العام الذي يشهد تحولات عميقة في علاقة السلطة بالإعلام، فالحروب والنزاعات المسلحة تلعب دورا مركزيا في تدهور حرية الصحافة كما هو الحال في الشرق الأوسط حيث أدت الحرب في غزة إلى مقتل أكثر من 220 صحفيا منذ أكتوبر 2023، وهو رقم صادم يعكس حجم المخاطر التي باتت تهدد الصحفيين في مناطق النزاع ويؤكد أن العمل الإعلامي أصبح في كثير من الأحيان مرادفا للمخاطرة بالحياة.

كما أن صعود الأنظمة السلطوية وتنامي نفوذ الفاعلين الاقتصاديين الكبار ومنصات التكنولوجيا الرقمية، حسب التقرير، ساهم في إعادة تشكيل المجال الإعلامي بشكل يجعل السيطرة على المعلومة أكثر تعقيدا حيث لم تعد التهديدات تقتصر على الرقابة التقليدية، بل امتدت إلى أشكال جديدة من الضغط تشمل التضييق الاقتصادي وحجب الموارد والإغراق بالمعلومات المضللة وهو ما يضع الصحافة أمام تحديات غير مسبوقة.
وفي الولايات المتحدة التي تراجعت إلى المرتبة 64، يظهر بوضوح كيف يمكن للخطاب السياسي المعادي للإعلام أن يؤثر على بيئة العمل الصحفي حيث تحولت مهاجمة الصحفيين إلى ممارسة شبه اعتيادية في الخطاب العام، وهو ما انعكس سلبا على ترتيبها العالمي كما أن تراجع الدعم المؤسساتي لوسائل الإعلام الدولية أدى إلى خلق فراغ معلوماتي في عدد من مناطق العالم التي كانت تعتمد على هذه المنابر كمصدر أساسي للأخبار.

أما في أوروبا التي ظلت لسنوات طويلة تمثل فضاء آمنا نسبيا لحرية الصحافة، فقد بدأت هي الأخرى تشهد تراجعا ملحوظا حيث تراجعت ألمانيا إلى المرتبة 14 نتيجة تزايد التهديدات التي يتعرض لها الصحفيون سواء في الفضاء الرقمي أو أثناء تغطية القضايا الحساسة، وهو ما يعكس تحولا تدريجيا في طبيعة التحديات التي تواجه الإعلام حتى داخل الأنظمة الديمقراطية.
وفي المقابل تستمر دول مثل إريتريا وكوريا الشمالية في تصدر قائمة أسوأ الدول من حيث حرية الصحافة حيث يخضع الإعلام لرقابة صارمة ولا يسمح بأي شكل من أشكال التعبير المستقل، وهو ما يعكس استمرار وجود نماذج مغلقة بالكامل في النظام الدولي.
وفي هذا المشهد المعقد يبرز سؤال جوهري يتعلق بمستقبل حرية الصحافة في العالم وهل نحن أمام تراجع ظرفي مرتبط بسياقات سياسية وأمنية، أم أننا إزاء تحول بنيوي يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمعلومة. فالمؤشرات الحالية توحي بأن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تتسم بتزايد القيود وتراجع الضمانات وهو ما يفرض إعادة التفكير في آليات حماية الصحفيين وتعزيز استقلالية وسائل الإعلام.

وبالنسبة للمغرب، فإن التحدي لا يكمن فقط في تحسين ترتيبه في التصنيف العالمي، بل في بناء نموذج إعلامي متوازن يجمع بين الحرية والمسؤولية ويستجيب للتحولات الرقمية والاقتصادية التي يعرفها القطاع. فتعزيز حرية الصحافة لا يرتبط فقط بتعديل القوانين، بل يتطلب أيضا دعم استقلالية المؤسسات الإعلامية وتحسين ظروف عمل الصحفيين وتكريس ثقافة الحق في الوصول إلى المعلومة.
إن ما كشفه تقرير ” مراسلون بلا حدود ” ليس مجرد أرقام أو تصنيفات، بل هو جرس إنذار يعكس وضعا عالميا مقلقا حيث أصبحت الصحافة مهددة في جوهرها كسلطة رابعة وكأداة أساسية لمراقبة السلطة ونقل الحقيقة، وفي ظل هذا الواقع يصبح الدفاع عن حرية الصحافة مسؤولية جماعية لا تقتصر على الصحفيين وحدهم بل تشمل الدول والمجتمعات وكل الفاعلين المعنيين بحماية الفضاء العام وضمان حق المواطنين في المعرفة باعتباره أحد أهم ركائز الديمقراطية الحديثة.

التعليقات مغلقة.