الانتفاضة
زميلي العزيز،
سمحتكم لنفسكم أثناء مروركم في برنامج حواري بث على قناة «ميدي1 تيفي» بلغة أجنبية الادعاء بأنه لا يوجد في المغرب أية حالة اعتقال أو متابعة من أجل علاقة جنسية رضائية خارج إطار الزواج.
أولا، أودُّ أن أحيي ذكاء الأستاذة «غزلان الماموني» وعمق تحليلها لكونها أجابت بسرعة بأنه ليس هناك داعٍ لإجراء متابعة بخصوص واقعة لم تمس النظام العام ولم تحدث اضطرابا بالمجتمع ولا يوجد بها أي ضحية ذلك أنه ما يميز العلاقة الرضائية عن جريمة الاغتصاب هو عنصر الرضائية.
سمحتم لنفسكم أيضا التشكيك في الإحصائيات المقدمة من قِبلها، بمجرد أنها غير رسمية وغير صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط التي اعتبرتموها السلطة المرجعية الوحيدة عند الحديث بلغة الأرقام.
وبهذه الطريقة سمحتم لنفسكم إنكار حق المجتمع المدني والنقابات والأحزاب السياسية والمؤثرين سواء كانوا مفكرين أو أساتذة جامعيين أو مناضلين؛ فعلا لقد أنكرتم حقهم في إعطاء أرقام أو التدخل في الإحصائيات، إنه تفكير فاشستي محض.
اختبأتم وراء معطيات وبراهين، واعتبرتهم أن هذه النماذج التي أوردتم ذات مواصفات تِقنية، من شأننا الارتكاز عليها دون غيرها لإبداء ملاحظاتنا.
نشكركم على مساعدتكم البلاد في اكتشاف نفسها عبر رفض البحث الميداني ومنع التعبير عن الرأي المخالف.
لم يفاجئنِ سلوكك، خاصة وأنت الذي تكلفتَ بالدفاع عن المدعو الحموشي ووزير الداخلية اللذيْن وضعتَ شكاية باسمهما في مواجهة زميلك والنقيب السابق لهيئة المحامين بالرباط.
اسمح لي بهذه المناسبة أيضا، أن أذكرك بأنه في هذا الملف بالضبط الذي تم مؤاخذتي فيه بإحدى عشرة تهمة، كان من بين التهم تُهمتَا الخيانة الزوجية والتحرش الجنسي في حق سيدة ذات سوابق قضائية في هذا الباب؛ فلستُ المحامي الوحيد الذي واجه شكاياتها من أجل التحرش الجنسي، بل نحن كُثُرٌ وعديدون.
من جهتي، أعلم جيدا الفرق بين العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج والخيانة الزوجية، لكنك سمحتَ لنفسك بالقول إن هناك متضررا بناءً على شكاية لم تفسر فيها الضرر اللاحق بالمجتمع.
في حَالَتِي مثلاً، الضحية التي تُنْكِرُ الوقائع جُملة وتَفصيلاً، قدمت تنازلاً كتابيًا صادراً عن زوجها الأمريكي الجنسية يُعبِّر من خلالِه وبوضوح عن خِشْيَتِه من إقحام اسم زوجته ومُحاولةِ استعمالها كأداة في كل متابعة من أجل الخيانة الزوجية في المغرب، وأنه ولهذا السبب يتنازل مُسْبَقاً عن أيَّة متابعة قضائية في حق زوجتِه في حالِ تحريك أية متابعة في هذا الشأن من قِبل السلطات المغربية، والتي ترمي أساساً إلى الإساءة لعلاقتِها بمحاميها الذي هو أنا: النقيب محمد زيان، موضحا بأنه يتوفر على الحجج الدامغة الكافية لإثبات ذلك.
في هذا الملف الذي دافعت فيه بشراسة عن رئيس الأمن الوطني، لا يوجد محضر واحد للضابطة القضائية يثبت التهمة الموجهة إليّ، لكنه يحتوي في المقابل على خبرة تِقنية مُنجزَة من قِبل أكبر مكتبِ خبراء قضائيين في ميدان الصوت والصورة ومُوَقعة من طرف خبيرٍ بلوس أنجلوس يُعَد من أكبر الخبراء المعترف بهم لدى القضاء الأمريكي.
استعملتُم في مواجَهَتِي شريط فيديو يُقِرُّ جميع الخبراء بأنه مفبرك ومركب ومضغوط عدة مرات؛ الصورة تعرضت للتضبيب والتمويه، والصوت تم إضافته، وخَلُصُوا بالنهاية إلى أن الفيديو مزيَّف. بالرغم من كل ذلك حُكِمَ عليّ بثلاثِ سنواتٍ سجنا نافذا اقتطعوها من سنين حياتي وقد أنْهَيتُها كاملة.
حقيقة لا يمكنني مؤاخذَتُك عمن اختارك للدفاع عنه، فلتدافع عمن شئت ولَعُمْرِي سأدَّعي بأن من حق المحامي اختيار موكليه حسب مَزاجِه وقناعاته الشخصية، فهذا منافِ لمبادئ وأعراف المهنة التي جمعتني بك.
شخصيا، أعتبر بأن مهنة المحاماة رسالة نبيلة والتزام أخلاقي وتكليف ثقيل من شأنه أن يخلق عداواتٍ للمحامي وكراهيةً من قِبل الخصوم؛ ما يجعله أكثر تحملا للضغوط من أجل القيام بواجبه المهني مَهْما كان الثمن غاليا وكيفما كان شكل التضحية في سبيل ذلك.
لكنك وللأسف، خلال هذا البرنامج لم تتصرف كمحامي لدرجة التباهي بأنه خلال سنواتِ السبعينيات مجرد السلام عليك باليد قد يُشكِّل داعيا للاعتقال. وهنا قد أقول لك: اعترف لنا على الأقل بأن عدد المعتقلين بسبب مصافحتهم لك لم يكونوا بالمطلق، فَلَا أحدَ تُوبع من أجل ذلك.
من الغريب كذلك أنك وفي هذا البرنامج التلفزي، تصرفتَ كرجل سياسة تكلم باسم حزب ثِقْ بي أنِّي أَخْبِرُهُ أكثرَ منك، وأنت من القلائل الذين يعرفون هذه الحقيقة وتعلم قصدي جيدا.
لم تستطع البتة الجهر بالأطروحة التي كنت تدافع عنها، ربما لصداقَتِك مع أشخاص من مِنطقتك وأبناءَ بلدتِك الذين هم اليوم أصحاب نفوذٍ مهم في سلم أخذ القرار، سواء تعلق الأمر بسياسيين منهم أو رجال قضاءٍ ممن ارتبطتْ أسماؤهم بالمتابعات القضائية، لكن أرجوك حاوِل أن تضعَ حداً لهذه البلادة.
أرجوك أن تكفَّ عن القول إن في هذا البلد مساطر تُحترم وقوانين تُطبق؛ ففي بلدك ولا سيما بعد ركوع المعارضة الدستور لم يعد يحترم ولا حتى القُضاة باتوا يحترمون أنفسهم، وكلنا يعلم بأن الشخص الذي لا يحترم نفسه يستحيل أن يحترم القانون، والمسؤول الذي لا يحترم القانون ومساطِرِه لا يستحق أدنى احترام.
عموما، نحن مسؤولون عندما نعجز عن محاربة من يخرق القانون، وأتمنى صادقا أن لن تسير على نفس النهج وتردد الشعار ذاته: »زيان كان محامي الحكومة ضد الأموي!!» لأنه قَسما بِرَبِّ العِزَّة لن أتردد رقيقةً من دقيقة في الجهر بكل ما أعلمه.
وأخيرا، زميلي المحترم لن أطيل عليكَ أكثر وسأنتهي بقولة للملك الراحل الحسن الثاني: «في ميدان المسؤولية الهامش لا معنى له».
زميلك المحامي
والنقيب محمد زيان