الانتفاضة // عبد الله الترابي
ربما لا يمكن لغير العارف أو المتتبع لتاريخ الحركة الإسلامية بالمغرب، أن يدرك وينفذ لعلاقة عبد الإله بنكيران بحزب العدالة والتنمية.
بطبيعة الحال، هذا الأخير عنده مساطر ترشيح وانتقاء – متقدمة جدًا على العديد من الأحزاب التي يمكن لزعمائها أن يختاروا سائقيهم وطباخيهم أعضاءً في المكتب السياسي – لكن رغم هذا فعلاقة بنكيران بالحزب مختلفة جدًا عن الباقين من القيادات والأعضاء داخل العدالة والتنمية.
بنكيران يعتبر أن مسار الحزب وتطوره ونجاحاته بمثابة “l’œuvre d’une vie” أي أن هناك ارتباطًا عضويًا ووجدانيًا وتاريخيًا بين الشخص والحزب، وهذا ما يميزه عن باقي قيادات البيجيدي. هذا الشعور عند بنكيران تغذيه معطيات موضوعية ، فالرجل هو الذي قاد عملية التحول في بدايات الثمانينات من الراديكالية وإرث الشبيبة الإسلامية إلى العمل العلني والقانوني، وهو الذي أطلق جل المبادرات من أجل خلق حزب سياسي مرخص له، والتي انتُقد من أجلها وتم تخوينه لذلك من قِبل العديدين داخل الحركة الإسلامية،
ورغم أنه لم يكن منظرًا ولا مفكرًا عضويًا داخل الحركة، لكن تصوراته الواقعية والبراغماتية حركت المياه الراكدة وساهمت في إدخال الإسلاميين للمؤسسات الرسمية ووضعت لبنات إنشاء حزب العدالة والتنمية.
شخصيته كانت غالبة على الحزب في كل المراحل: المشاركة في الانتخابات، تدبير آثار العمليات الإرهابية بالدار البيضاء سنة 2003، الصراع مع الأصالة والمعاصرة وأخيرًا قيادته للحزب في الفوز بانتخابات 2011 و2016.
رغم أن الحزب كانت فيه نخبة تعتبر نفسها متساوية ومتكافئة بينها (العثماني، الرميد، باها، يتيم…) لأنها خلقت وأسست الحزب وقادته، غير أنه كان هناك دائمًا شعور وممارسة مفادها أن بنكيران هو كما في التعبير اللاتيني (primus inter pares) أي الأول بين نظرائه.
انكسار الحزب وهزيمته في انتخابات 2021 اعتبرها بنكيران كانهيار لعالمه الشخصي ولكل ما ساهم في بنائه منذ نصف قرن، وهذا ما يفسر كل الطاقة والجهد وأحيانًا العنف اللفظي لديه لإنقاذ الحزب وبعث الروح فيه، رغم التقدم في السن ونصائح الأخرين له باعتزال الساسة وترك الحزب لجيل جديد.
لكننا لا نستحم في نفس النهر مرتين، فلا الظروف هي نفسها ولا المناخ الدولي والوطني مازال على حاله، فبنكيران يجد نفسه حاليًا ضد اتجاه التاريخ: انهيار الإسلام السياسي بالعالم العربي بأكمله (رغم أن الوضع في غزة يعطي شحنة جديدة للإسلاميين)، الانكسار النفسي والتنظيمي لدى قيادات الحزب وقواعده، تبعات عشر سنوات من التسيير العام والتي خلقت إحباطًا وعدم رضا عند قطاعات كبيرة من المغاربة…
فهل تكفي حيوية بنكيران وعزمه لـ”رجوع الشيخ إلى صباه” وعودة البيجيدي لقوته وتصدره الحياة السياسية؟ كل الاحتمالات واردة، رغم أن في تقديري الخاص، سيكون ذلك صعبا بل ومستحيلا، لكن الحياة السياسية بالمغرب في حاجة إلى حزب كالعدالة والتنمية و شخص كبنكيران، اذ أن الجمود والصمت ليس في مصلحة أحد.
التعليقات مغلقة.