الانتفاضة//الحجوي محمد
تعيش الفضاءات الخضراء بإقليم قلعة السراغنة حالة من التهميش الممنهج، رغم كونها رئة المدن وشريان الحياة البيئية للسكان. ففي وقت تتجه فيه المدن الكبرى نحو تعزيز مساحاتها الخضراء، تبدو الحدائق والساحات العمومية بهذا الإقليم غائبة عن أولويات المسؤولين، مما يحرم الساكنة من متنفس طبيعي يخفف وطأة التوسع العمراني العشوائي والزحف الإسمنتي.

يكشف الواقع الميداني بإقليم قلعة السراغنة عن صورة قاتمة للموروث الأخضر، حيث تفتقر معظم الجماعات المحلية لاستراتيجيات واضحة لحماية الأشجار المعمرة أو إنشاء حدائق عمومية. فالمساحات الخضراء الموجودة، وإن وجدت، تعاني من الإهمال وقلة الصيانة، وتحولت بعضها إلى مقالب للنفايات أو مواقف للسيارات، في مشهد يعكس غياب الوعي البيئي لدى المواطن والمسؤول على حد سواء.

لم يقتصر التهميش على الجانب الجمالي فقط، بل امتد ليشمل المخاطر البيئية والصحية المترتبة عن تراجع الغطاء النباتي. فمع كل صيف، يشتد وطأة الارتفاع الحراري على سكان الإقليم، وتزداد نسبة التلوث في غياب الأشجار التي تعمل على تنقية الهواء. كما ساهم تهميش الفضاءات الخضراء في تسريع زحف التصحر نحو الأراضي الفلاحية المحيطة، مهدداً بذلك التوازن البيئي الهش أصلاً في المنطقة.

يرجع مراقبون جذور هذه الأزمة إلى غياب رؤية تنموية متكاملة تراعي البعد البيئي، واقتصار التخطيط الحضاري على تلبية احتياجات السكن والمواصلات دون الالتفات إلى جودة الحياة. فالمخططات التنموية للجماعات الترابية بإقليم قلعة السراغنة تخلو تقريباً من مشاريع تهيئة المساحات الخضراء، أو تعتمد على مبادرات رمزية لا ترقى لحجم الطلب المتزايد من طرف السكان على فضاءات للترفيه والتنفس.

لإنقاذ ما تبقى من الرئة الخضراء للإقليم، دعا نشطاء بيئيون وفعاليات مدنية إلى ضرورة إدراج الفضاءات الخضراء ضمن أولويات الميزانيات الجماعية، مع فرض عقوبات صارمة على أي اعتداء أو استغلال غير قانوني لهذه المساحات. كما طالبوا بإطلاق برامج تشجير موسعة تشمل مداخل المدن والمؤسسات التعليمية والساحات العمومية، إلى جانب تحسيس المواطنين بأهمية الحفاظ على الشجرة في ثقافتهم اليومية.

يبقى رهان إعادة الاعتبار للفضاءات الخضراء بقلعة السراغنة مرتبطاً بإرادة سياسية حقيقية تضع البيئة في صلب التنمية المحلية. فبدون هذه الإرادة، ستظل المدينة حبيسة جدرانها الإسمنتية، وسيبقى سكانها يبحثون عن ظل شجرة أو ركن أخضر يخففون فيه عناء زحام الحياة اليومية.
التعليقات مغلقة.