حين تختل القيم، وتغيب المسؤولية

بقلم محمد السعيد مازغ

الانتفاضة : إضاءة

في زمنٍ مضى، كانت الممارسات الانتهازية تُنسب فقط إلى بعض تجار السياسة، أولئك الذين احترفوا بيع الأوهام، وتاجروا بقضايا الناس في أسواق الشعارات البراقة. كانوا يظهرون بمظهر المنقذ، يُسرفون في الوعود، حتى إذا بلغوا المناصب واستراحوا على المقاعد الوثيرة، انقلبوا على من حملهم إليها، وصوتوا بكل برود على قرارات تُجهز على مصالح من وضعوا ثقتهم فيهم.

لكن ما كان بالأمس استثناءً، أصبح اليوم واقعًا عامًا، وداءً سرى في أوصال المجتمع حتى طال نخبه وطلائعه. لم يسلم منه الطبيب ولا المهندس، ولا الصحافي ولا الفقيه، ولا حتى الأستاذ الذي يُفترض أن يكون حارس القيم ومنارة الوعي. أما من بيدهم زمام السلطة والحكم، فهم أول من سقط في هذا المستنقع، بعدما غلب على الكثير منهم طغيان الامتيازات، وانطفأ في نفوسهم وهج الرسالة.

ووسط هذا المشهد المختل، يظهر نموذج الإنسان الذي لا يشبع، رجل أجوف كطبلٍ أجوف، لا يُهمه من أين جاءت اللقمة، حلالاً كانت أم حرامًا. يعتاش على عرق غيره، ويتسلق على أكتاف المجتهدين، يتزين بمظاهر القوة، بينما الحقيقة أنه لا يملك من الرجولة سوى مظهرها. فالرجولة، كما نؤمن بها، ليست استعراضًا فارغًا، بل سلوك كريم: أن ترد الجميل، وتحترم الآخر، وتقول الحق ولو على نفسك، لا أن تنتفخ كالطاووس في فضاء زائف يلفظه أول امتحان أخلاقي.

صحيح أن الحقيقة نسبية، وأن الأحكام كثيرًا ما تُبنى على الانطباع والذاتية، لكنها حين تتحول إلى قرارات وواقع يُفرض على الناس، دون استناد إلى معيار علمي أو موضوعي، نكون حينها أمام مأزق حقيقي. اختلالات عميقة، وفساد مستشرٍ، لا تنفع معه الخطابات ولا التبريرات، بل يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة ومواقف حاسمة تُقلع جذور العطب لا أن تُخفيه تحت الزينة الكاذبة.

ومع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن التغيير لا يأتي دفعة واحدة، ولا يُمكن اختزاله في قرارات فجائية تُغيّر وجه الواقع بين عشية وضحاها. نحن بحاجة إلى إعادة صياغة منهجية العمل من جذورها، وهو مسار طويل يتطلب وقتًا وصبرًا ووعيًا مجتمعيًا يقظًا. من السذاجة أن نحلم بتحول جذري دون مقدمات، ومن الضروري أن نكون أكثر واقعية وبراغماتية، ندرك أن التغيير العميق لا يأتي إلا بخطوات متدرجة، تسبقها إرادة حقيقية، وتليها متابعة ومحاسبة.

في النهاية، لا خلاص لمجتمع تنهار فيه القيم، إلا بإعادة الاعتبار للأخلاق أولاً، لأن بناء الأوطان لا يبدأ بالمشاريع ولا القوانين، بل يبدأ من الإنسان.

التعليقات مغلقة.