الانتفاضة // حسن المولوع
أكتب هذه الكلمات وقلبي مثقل، وصدري كأن فيه صخرة…
أكتب بعدما بلغ السيل الزبى، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، حتى صرت أفكر بجدية في مغادرة مهنة الصحافة، وربما مغادرة الوطن نفسه.
أكتب اليوم لا لأنني أبحث عن تعاطف، ولا لأستجدي عاطفة، ولكن لأني سئمت الكتمان، وضاقت الروح ذرعا بهذا الحال، وأثق أن في البوح صدقا يريح، وإن لم يُغيّر.
بدأتُ أفكر بوجعٍ لا يُحتمل في مغادرة مهنة عشقتها حتى تآكلت، واحتضنتها حتى تكسّرت أضلعي، ولكني اليوم أقولها بمرارة: الصحافة التي أحببتها، لم تُحبني.
دخلت مهنة الصحافة بعشق حقيقي، درستها وأنا أقاوم ضيق ذات اليد، وحاربت لأجل أن أُصبح صحفيا يُشهد له، لا عليه.
لكن، ما نفع كل هذا؟
المهنة التي أحببتها لم تُنصفني، بل خذلتني… لم تعطني شيئا، بينما أنا من أعطيتها العمر والتعب، والليل والسهر.
قاومتُ كثيرا، درستُ بدمعٍ وجهد، تحدّيتُ الصعاب، حلمتُ بمهنة النبلاء، فإذا بي أعيش في غابة من الخذلان، وبيئة تقتل ما تبقى من نقاء، تُكافئ من يقدم الولاء للأشخاص، لا للوطن، وتُحارب من يكتب بقلبه، لا بمزاج رؤسائه.
نعم، قلمي فيه حدّة، لكنها حدّة الغيرة والنخوة، لا الحقد ولا البغضاء.
وأقسم بالله، ما أردت بها يوما إلا الصدق، وما رفعتها إلا دفاعا عن شرف الحرف.
أقول بكل حسرة وأسف أنه حتى من كنا نراهم حماة للمهنة، صاروا أول من يعمل على اقصائنا وتهميشنا ، ويضع الحجر على أفواهنا.
كنت أظن أن هناك من يحمي الصحفي حين يُظلم، فإذا بي أُفاجأ أن من كنا نراهم سندًا صاروا هم مصدر الخنق والتضييق.
كانوا السكين في خاصرتنا وعلى رأسهم يونس امجاهد وعبد الله البقالي.
أذكر الأسماء لا للفضح، ولكن للشهادة أمام الله والتاريخ.
لي حكايات مع يونس امجاهد وعبد الله البقالي امتدت لسنوات ، وأنا صابر محتسب ، فبدل أن يقوما باحتضاني ويشجعا صوتًا معتدلاً، بذلا كل ما بوسعهما لدفني ، فذنبي الوحيد هو جرأتي في النقد..
منذ سنوات وأنا أعاني، ولم أتخذ من هذه الصفحة حائطًا للبكاء .
اليوم، لا أفكر فقط في مغادرة المهنة… بل في مغادرة الوطن.
هذا الوطن الذي لم يمنحني شيئا، بل جرّدني من أبسط الحقوق: الكرامة، والعدل، والاعتراف بالكفاءة.
أتحسّر على وطنٍ ظُلمت فيه، والتجأت فيه إلى من يُفترض أنهم يوفرون لي الحماية والإنصاف، فقوبلت باللامبالاة.
هذا الوطن، إن خالفتَ فيه مزاج مسؤول، أصبحت عدوا، خائنا، ناقما… لا مواطنا يطالب بحقه.
ستصيرخائنا، حتى وإن كنت أصدق الناس قلبا وقلما.
أصبحتُ أهيّئ أهلي لفكرة الرحيل… وأعلم أن فراقهم موجِع، وأن قلبي سيتشقق إن رأيت دمعة أبي، وانكسار إخوتي …
أفكر في مغادرة هذا البلد الذي لم يمنحني غير الإهانة، والظلم، والخذلان..
أُفضل أن أذهب إلى أوطان أخرى، أنظّف المراحيض العمومية بكرامة، ولا أن أعيش في وطني مهانا باسم مهنةٍ قالوا عنها: مهنة النبلاء، والمثقفين، والشرفاء… لكنها عندنا مهنة بلا كرامة، ولا تقدير، ولا أمان.
أقسم بالله، لستُ متسوّلا للعواطف، ولا لاعبا على أوتار الشفقة،
أنا إنسان بسيط، يُحب ببساطة، يفرح بعفوية، ويحلم ككل أبناء هذا الوطن…
لكن حتى تلك البساطة، يريدون وأدها.
سامحك الله يا وطني… أوجعت قلبي، وأوجعت روحي،
ولكِني، رغم كل شيء… أحبك، ولذلك قررت الرحيل.
رحمك الله يا وطني… لم تمت، لكنك لم تعُد حيًا فيّ.
كتبتَ عليّ أن أموت واقفا… فليكن.
ولكن، لا تظن أن الموت أصعب من أن تعيش بلا كرامة ولا عدل .
التعليقات مغلقة.