الانتفاضة // ✍️ // صلاح بوسريف
هذه هي خُلاصَةُ قانون الإضراب الذي مرَّرَتْه الحكومة في البرلمان، رغم اعتراضات واحتجاجات ورفض النقابات التي أدْرَكَتْ، وأدرك معها العُمَّال، والموظفون، وكُلّ قطاعات الشُّغْل، أنَّه قانون يخدم الباطرونا، ويخدم أصحاب المال والأعمال، ويخدم مصالح رئيس الحكومة، ومن معه من الوزراء أصحاب المشاريع، والمصانع، والمعامل، من لا يعطون أيّ اعتبار للعامل والصَّانع والموظَّف، وينظرون إلى هؤلاء كأقْنان عندهم في إقطاعياتهم، لذلك، سَعَوْا بهذا القانون إلى تكبيل يد الطبقة العاملة، وإلى منعها من الاحتجاج، بالغرامات المالية، والاقتطاعات، وبالسجن أو الحبس، إذا اقتضى الأمر، والطَّرْد كذلك، ما دام هذا القانون يُطْلِق يد الباطرونا والمُشَغِّلِين، ويعطيهم الحقّ في كُل شيء، ما حرَم منه العُمَّال والموظفين، وجعل النقابات تبقى بدون معنى.
كان الإضراب، دائماً، منذ الاحتلال الفرنسي للمغرب إلى اليوم، هو وسيلة للاحتجاج، وللمُطالبة بالحقوق والحرِّيات، وللضغط على المُسْتَعْمِر والمُشَغِّل بأن ينصاع إلى الحقّ، وألا يكون المُستفيد الوحيد من الثروة التي تذرُها عليه سواعد العُمَّال، وعُقول العاملين في الإدارة، وفي التخطيط، والتسيير، والتدبير، وخصوصاً الطبقة العاملة التي هي الأكثر تضرُّراً، وحرماناً، والأكثر كَدْحاً وشقاءً، والأقلّ راتباً أو أجْراً.
اليوم، في ظِلِّ حكومة الباطرونا، وأحزاب الباطرونا، أو أحزاب الإدارة التي تناسلت في سنوات مَضَت لمواجهة اليسار، ولمواجهة أحزاب المُعارِضة، والنقابات التي كانت تُضْرِب، وتحتج، وتخرج إلى الشوارع للتظاهُر، تسعى هذه الحكومة التي لا علاقة لها بالشعب، ولا بالعُمَّال، ولا بالطبقة العاملة، إلى تحقيق ما وُجِدَت من أجله في أساس تأسيسها وخلقها، الوُقُوف في وجه الشعب، والدليل هو الغلاء الفاحش الذي طاول كُلّ شيء، أفْقَر الفقير، وأغني الغنيّ، وأنهك القدرة الشرائية، والأجور، ووسَّع مساحة الفقر والحاجة، وزاد من أرباح الأثرياء ورجال الأعمال، وبينهم رئيس الحكومة نفسه، ومن معه من وزراء، هُم في أصلهم باطرونا، ولا علاقة لهم بالعُمَّال، ولا بالموظفين، ووزير التعليم، ووزير الثقافة، وغيرهما، هُم من هؤلاء، فلماذا لا يكون قانون الإضراب قَمْعاً، ورَدْعاً، وإنهاءً لكل المُكتسبات التي هي وليدة نضالات شعبٍ، ما زال يكدّ، من أجل لقمة العيش، أحرى أن يفكر في الرَّفاه الذي أراده الباطرونا، وأصحاب المال والأعمال لأنفسهم فقط وحرموا غيرهم منه.
الإضراب حقٌّ مشروع، يكفله الدستور، وحين يَتِمُّ تسييج هذا الحق، بالاقتطاعات، والغرامات، وبالسجن، وبالطرد، وبغيرها من وسائل القمع والرَّدْع، فهذا ضَرْبٌ للدستور نفسه الذي صوَّت عليه الشعب، وليس البرلمان، بل البرلمان نفسه يخضع للدستور، وقوانينه، فالدستور أكبر من الجميع، وفوق الجميع، وهو ما يحكم الجميع، يفصل بينهم في النزاعات والخلافات، ويضمن الحقوق والواجبات، دون فَرْقٍ.
لا يمكن لبلد يدَّعِي الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، أن يكون ضِدَّ الأضراب، وضِدَّ حقوق العُمَّال، وأن تتحوَّل فيه المعامل والمصانع، والمدارس، والإدارات إلى سجون، وإلى نوع من الأبارطايد، لأنَّ كسب الأثريا، وهيمنتهم على الثروات، وعلى الإنتاج، ومنع العُمَّال من الكَسْب، ومن العيش، هو عبودية، وهو استغلال، وهو استفراد بالثروة والأرباح، القليلون يأكلون عرق الكثيرين، بنفس منطق الإقطاع الذي كان فيه القًنّ يعمل في الأرض، لا أجْرَ له، يكتفي بالأكل والشرب، والإقامة في ظروف مُزْرِيَّة، ولا حق له في شيء من إنتاج الأرض التي يحرثها، ويزرعها، ويرى غلالها بالأطنان، ولا حقَّ له في شيء منها. أوَ لَسْنا، بهذا القانون، نسير في هذا الاتِّجاه،ونُـجْهِز على كُل ما مَيَّزَنا كبلد الأضراب فيه حقٌّ مشروع، وهو وسيلة للتعبير عن الظلم والحَيْف والتفقير، بل واستبداد «أرباب» العمل !!؟
التعليقات مغلقة.