الهزيمة السياسية

الانتفاضة // الاستاذ // محمد عبيد

الهزيمة في السياسة حتما هي هزيمة في كل شيء، طبعا مما تعنيه السياسة في إدارة وتدبير المجالات الحساسة والحيوية، حتى فيما تتميز فيه من مجالات، ظلال الهزيمة تطفو عليها، تظهر عليها، وتؤثر فيها، ولذلك فنحن نكتفي بالانتصارات الصغيرة، السطحية والهامشية… ننفخ فيها لتبدو كالبالونات.. لاشيء فيها إلا الهواء، وهي قابلة للانفجار في أية لحظة، كما لو أنها “نَخْبُ هواء”.

كما في الرياضة ما ان نفوز في مباراة أو في سباق، في لعبة من الألعاب، دون أن نقيس فوزنا بقدراتنا، وبالتفس الطويل والتجربة، والحكمة في إدارة اللعبة، فقط لنحول هذا الفوز إلى نهاية دون أن نحسب حسابا للطريق، وما في الطريق من منعرجات ومشكلات، وما يمكن أن يلتوي علينا في الطريق من طريق، ونتحول من التماسك إلى الانهيار.

التضخيم في الانتصارات الصغيرة، هو مهزلة عواقبها كثيرا ما تكون وخيمة وعزيمة تتحول إلى انكسار بل إلى انتحار.

لنتأمل ما كنا فيه من سبات أو أوهمنا أنفسنا ومعنا الجميع على أننا نستطيع فعل المستحيل، دون أن ندركه.؟

إن هذا الوهم هو المستحيل هو العائق الذي جعلنا مثل أرانب السباق، يعدون بكل العنف والجهد الممكنين، لا ليبلغوا نقطة الوصول بل ليكونوا قاطرة لغيرهم، هم لا يصلون ونحن نتأخر او لا نصل أبدا.

إن محاربة الفساد والتحلل مرتبطة بالزمان، وهي مقولة خارجة عن المادة الخام، ولكنها مكونة للكائن الحي… لأن العمل السياسي هو بطبيعته العمل الذي ردود الفعل لا يمكن ضبطها، وقبل كل شيء، لأن العامل نفسه لا يضبط نفسه. فكرة “الممارسة السياسية” وهْم لأنها تعتمد على تعميم النشاط التقني في حقل غير تقني…

ويلاحظ أن أزمة العقل السياسي هي أحد الأسباب الجوهرية التي تعيق مسيرة التحول والتقدم… كما يبدو على أن العقل السياسي كان ولايزال عاجزاً عن فك قيود الماضي والابتعاد عن الأزمات البنيوية التي ترافقه منذ عقود… حيث استمرت عقلية الإقصاء والخصومة في الهيمنة على العقل السياسي، وبالتالي كرّست عقلية التلقين وألغت التفكير النقدي… والملاحظ أن كثيرا من العقول السياسية تعاني من عجز فكري، غير قادرة على تقديم رؤى جديدة للتعامل مع الأزمات.

لأن الأحواض الثقافية والسياسية التي يتجاوزها التقدم تبقى لصيقة بالمخيلة…. يبقى السجل الزمني لأشكال السيادة ليس قابلا للارتداد… تسعى كل الأبحاث إلى التوازن، وينطبق هذا على الزمان والمكان…

بالجملة فالحضارة التي تستعلي على الثقافات فإنها ليست توكيدا للفروق بين المجموعات التاريخية ولا نفيا لها… وإنما هي سيرورتها…

كثير من القادة السياسيين الذين توالوا على تدبير وتسير هيئاتهم غالباً ما نقلوا معهم نزعة الاستبداد والارتجال إلى مواقع السلطة.

هذا الوضع لم يكن سوى امتداداً لأزمة أعمق تتجذر في غياب التراكم المعرفي وضعف الثقافة السياسية القائمة على الحوار والتعددية.

وتتجلى أزمة العقل السياسي بشكل واضح في الخطابات التي تصدرها القيادات السياسية أو الدينية.

كما أن هناك جماعات إيدلوجية تستفيد من بيئة سياسية مأزومة لترويج خطابها الذي تستغل الظروف لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية…

خطاب التحريض والإقصاء أصبح هو السائد، في مقابل غياب خطاب البناء والتكامل، خطاب سياسي قادر على مخاطبة الواقع بأدوات جديدة.

المجتمعات الحديثة لم تأذن بعد بمصادفة مجتمع بلا “إيديولوجية”… الوعي لا يشكل جوهر حياة النفسانية بأكثر مما تشكل المؤسسات والتمثيلات السياسية جوهر الحياة السياسية للجماعات..

“يمكن الفصل بين العقل والعمل السياسي… وما لا يستطيع القول فيه ينبغي كتمانه!”، كما قال “ويتنغشتاين”.

إن للعقل السياسي أسبابه التي يجهلها العقل… فلا بد من تمهيد السبل المفضية إلى معرفة، وعليه فإن النقد السلبي، أو” الجدلي” يسبق النقد الإيجابي أو “التحليلي”.

لكن إذا كان نقد الغباوة تمهيدا لابد منه، فإن ما يهم هو تعليله.

فإذا كان الموقع السياسي المكان الطبيعي للإخفاق، فالإخفاق شغف محرك، لأنه معد للحلقة… إنه مساهم في إعادة بناء الذات…

إن نقد العقل السياسي يحتاج إلى نظرية سياسية… إن الحقيقة الماسة بمصالح الناس والمصطدمة بكبريائهم استقبلت يوما بغير الرشق بالحجارة.

إن عدم الكمال يكشف النقاب، إذن عن منطق العمل السياسي في الوقت الذي يكشف فيه عن لا معقوليته.

لكن اللامعقول هنا لا يهدم المعنى، إنه يؤكده.

هذا ما يتطلب التجديد المرتبط بالفعل.

ففي مادة الوعود، يتجاوز الطلب الاجتماعي العرض التنبئي، وفي مادة خيبات الأمل، يتجاوز العرض السياسي الطلب، وربط السياسة بالثقافة هو السلطان الكائن المساعد على تفوق مبدأ الانتماء.

ليس في الإمكان تصور فعالية سياسية لا تكون نتاج حيوية عرقية، ولكن شروط الحفاظ على هذه الحيوية تحمل ضربة قاضية على الفاعلية السياسية.

التاريخ السياسي قابل للتلخيص والبرمجة. لذلك لا بد من استحضار تعداد أمكنتنا المشتركة… مما يتطلب حسن إدراك مسلسل… تاريخيا.

” قد تفقد البشرية الاجتماعية رسوخ القدم، وتتصنع عهودا ذهنيا كي لا تفقد ذاتها.”.

التعليقات مغلقة.