دعوات لإلغاء حفل فني تشعل النقاش حول التطبيع الثقافي

الانتفاضة/ جميلة ناصف

تتصاعد في المغرب من جديد النقاشات المرتبطة بالمقاطعة الثقافية، عقب دعوة الحملة المغربية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية إلى إلغاء حفل الفنان الفرنسي كيندجي جيراك، المرتقب تنظيمه نهاية شهر أبريل بكل من الرباط والدار البيضاء، ضمن فعاليات “The Unforgettable Show”. هذه الدعوة أعادت إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين الفن والسياسة، وحدود التداخل بينهما في السياق الراهن.

وترى الحملة أن استضافة جيراك تتعارض مع معايير المقاطعة الثقافية التي تتبناها الحركات المناهضة للتطبيع، معتبرة أن الفنان المعني سبق أن ارتبط بأنشطة فنية وتعاونات مع فنانين إسرائيليين، إلى جانب مشاركته في فعاليات داخل تل أبيب. كما تشير إلى تصريحات إعلامية سابقة اعتبرتها داعمة لإسرائيل، وهو ما دفعها إلى مطالبة منظمي الحفل بعدم منحه منصة للعرض، ملوحة بخيارات تصعيدية من بينها الدعوة إلى مقاطعة الحدث وتنظيم احتجاجات سلمية.

في المقابل، يطرح هذا الجدل تساؤلات عميقة حول مدى مشروعية ربط الفن بالمواقف السياسية للفنانين. فالفن، في نظر كثيرين، يعد لغة كونية تتجاوز الحدود والانتماءات، ويفترض أن يشكل فضاء للتلاقي والتبادل الثقافي. غير أن هذا الطرح يصطدم برؤية أخرى تعتبر أن الفضاء الثقافي لا يمكن أن يكون محايدا، خاصة في ظل قضايا إنسانية وسياسية كبرى، حيث يصبح الصمت أو التعاون بمثابة موقف ضمني.

وتستند الحملة في موقفها إلى تطورات قانونية دولية، من بينها رأي استشاري صادر عن محكمة العدل الدولية في يوليوز 2024، وقرار للجمعية العامة للأمم المتحدة في شتنبر من العام نفسه، معتبرة أن هذه المعطيات تعزز مشروعية المقاطعة كأداة ضغط أخلاقية وقانونية. كما تستشهد بتصريحات لمسؤولين أمميين سابقين، من بينهم كريغ موخيبر، الذين يرون في المقاطعة وسيلة سلمية للتأثير على السياسات الدولية.

في خضم هذا الجدل، يجد منظمو الفعاليات الثقافية أنفسهم أمام معادلة معقدة، تجمع بين حرية الإبداع والانفتاح الفني من جهة، والمسؤولية الأخلاقية والاعتبارات السياسية من جهة أخرى. فاختيار الفنانين لم يعد مسألة فنية بحتة، بل أصبح محكوما بسياقات متعددة قد تؤثر على صورة الحدث وتفاعلات الجمهور معه.

ختاما، يعكس هذا النقاش تحولات أعمق في وعي المجتمعات بدور الثقافة في القضايا الكبرى، حيث لم يعد الفن معزولا عن محيطه، بل أصبح جزءا من معركة الرموز والمواقف. وبين دعوات المقاطعة والدفاع عن حرية الفن، يبقى السؤال مفتوحا حول حدود التوازن الممكن بين القيم الثقافية والالتزامات الأخلاقية.

التعليقات مغلقة.