الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
يواصل مهرجان مراكش للفيلم القصير ترسيخ مكانته كواحد من أبرز التظاهرات السينمائية المتخصصة في الفيلم القصير على المستويين المغربي والدولي، من خلال توسيع حضوره خارج الحدود الوطنية والانفتاح على تجارب ثقافية متعددة. وفي هذا السياق، يستعد المهرجان لتنظيم محطة جديدة من برنامج “Best Of” بالعاصمة الفرنسية باريس يوم الخامس من يونيو المقبل، عبر عرض خاص يحتضنه فضاء سينما “Grand Action”، أحد الفضاءات الثقافية المعروفة باهتمامها بالأعمال السينمائية المستقلة والبديلة. ويأتي هذا الموعد ليؤكد الدينامية المتواصلة التي يشهدها المهرجان منذ تأسيسه سنة 2020، ورغبته في تعزيز حضور الفيلم القصير المغربي والعالمي داخل فضاءات جديدة تتيح للجمهور فرصة اكتشاف أعمال سينمائية مختلفة والانفتاح على رؤى فنية متنوعة.
ويعد برنامج “Best Of” من المبادرات التي أطلقها مهرجان مراكش للفيلم القصير بهدف منح حياة جديدة للأفلام التي شاركت في دوراته السابقة، وذلك من خلال إعادة عرضها في مدن ومهرجانات وفضاءات ثقافية مختلفة داخل المغرب وخارجه. وقد نجح البرنامج خلال السنوات الماضية في الوصول إلى جمهور واسع، حيث نظم عروضاً متنقلة شملت عددا من الدول والمدن، من بينها فلسطين والأردن وإيطاليا والدار البيضاء، في خطوة تروم خلق جسور للتواصل بين السينمائيين والجمهور، وتشجيع النقاش حول القضايا الفنية والإنسانية التي تطرحها الأفلام القصيرة.
ويعكس اختيار باريس لاستضافة المحطة الختامية لبرنامج “Best Of” المكانة المتزايدة التي بات يحتلها المهرجان داخل الساحة السينمائية الدولية، خاصة أن العاصمة الفرنسية تعتبر من أهم العواصم العالمية المهتمة بالفن السابع، وتحتضن سنوياً عشرات التظاهرات والمهرجانات السينمائية الكبرى. كما يشكل هذا الحدث فرصة مهمة للتعريف بالمواهب السينمائية الشابة القادمة من المغرب ومن مختلف أنحاء العالم، وإبراز الإمكانات الإبداعية التي يزخر بها الفيلم القصير كنوع سينمائي قادر على معالجة قضايا عميقة في مدة زمنية قصيرة.
ومن المرتقب أن يشهد العرض الخاص بباريس حضور عدد من أعضاء فريق المهرجان وصناع الأفلام المشاركة، حيث سيتم تقديم مجموعة من الأعمال التي بصمت دورات سابقة من المهرجان، واستطاعت أن تحظى بإشادة نقدية وجماهيرية. ومن بين هذه الأعمال فيلم “Beneath a Mother’s Feet” للمخرج Elias Suhail، الذي نال جائزة الأداء بفضل معالجته الإنسانية المؤثرة، إلى جانب فيلم “Milk Brothers” للمخرجة المغربية Kenza Tazi، الفائز بجائزة أفضل فيلم “نخيل”، والذي لفت الأنظار بأسلوبه البصري وسرده الدرامي المميز. كما سيشمل البرنامج عرض فيلم “Lady of the Graves” للمخرج محمد العلالي، إضافة إلى فيلم “The Crawling Birds” للمخرج كريم تاج، وهي أعمال تعكس تنوع المواضيع والأساليب الفنية التي يراهن عليها المهرجان.
ولا يقتصر دور مهرجان مراكش للفيلم القصير على تنظيم العروض السينمائية فقط، بل يسعى أيضا إلى دعم المواهب الشابة ومواكبة مشاريعها الفنية، حيث ستتضمن الأمسية عرض أعمال سينمائية حظيت بدعم أو إنتاج من طرف المهرجان. ويعكس هذا التوجه إيمان إدارة المهرجان بأهمية الاستثمار في الطاقات الجديدة وتمكينها من فرص الظهور والتطور داخل المشهد السينمائي، خاصة في ظل التحديات التي تواجه صناع الأفلام الشباب، سواء على مستوى التمويل أو التوزيع أو الوصول إلى الجمهور.
ومنذ انطلاقته سنة 2020، اختار مهرجان مراكش للفيلم القصير أن يتميز عن باقي التظاهرات السينمائية من خلال التركيز على العروض المفتوحة في الفضاءات العمومية، في محاولة لجعل السينما أكثر قربا من الناس وإخراجها من القاعات التقليدية المغلقة. وقد ساهم هذا التوجه في استقطاب جمهور متنوع يضم عشاق السينما وسكان المدينة والسياح، ما خلق نوعا من التفاعل الثقافي والفني الذي منح للمهرجان هوية خاصة داخل المشهد الثقافي المغربي.
كما نجح المهرجان خلال فترة قصيرة في بناء شبكة من العلاقات والشراكات مع مهرجانات ومؤسسات ثقافية دولية، الأمر الذي مكنه من توسيع دائرة حضوره خارج المغرب وتعزيز إشعاعه الدولي. ويعتبر هذا الانفتاح على التجارب العالمية من بين أبرز نقاط قوة المهرجان، لأنه يسمح بتبادل الخبرات والتجارب بين السينمائيين الشباب، ويخلق فرصاً للتعاون والإنتاج المشترك، فضلاً عن فتح آفاق جديدة أمام الأفلام المغربية للوصول إلى مهرجانات وأسواق دولية.
ويؤكد القائمون على المهرجان أن الرهان الأساسي يتمثل في الدفاع عن الفيلم القصير باعتباره شكلا فنيا مستقلا وقادرا على تقديم رؤى مبتكرة ومختلفة عن السينما التجارية السائدة. فالفيلم القصير لا يمثل فقط محطة أولى في مسار المخرجين الشباب، بل أصبح في السنوات الأخيرة مجالا قائما بذاته، يمتلك جمهوره الخاص ولغته الفنية المتميزة. ولذلك يسعى المهرجان إلى خلق فضاء حقيقي للحوار والتبادل الثقافي بين المخرجين والنقاد والجمهور، من خلال الندوات واللقاءات والورشات الفنية التي ترافق العروض السينمائية.
وتحظى مدينة مراكش بمكانة خاصة داخل هذا المشروع الثقافي، إذ توفر فضاء مثاليا لاحتضان تظاهرة سينمائية من هذا النوع بفضل غناها الثقافي والتاريخي وتنوع جمهورها. كما أن الطابع السياحي للمدينة يساهم في استقطاب ضيوف ومشاركين من مختلف أنحاء العالم، ما يمنح للمهرجان بعداً دولياً يعزز من حضوره وتأثيره.
ومن المنتظر أن تحتضن مدينة مراكش الدورة السادسة من المهرجان ما بين 25 و30 شتنبر 2026، وسط توقعات بأن تعرف هذه الدورة مشاركة واسعة وحضوراً أكبر لصناع الأفلام والنقاد والمهتمين بالسينما القصيرة. ويأمل المنظمون أن تواصل هذه التظاهرة مسارها التصاعدي وأن تتحول إلى موعد سينمائي مرجعي داخل المنطقة، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد الذي بات يحظى به الفيلم القصير على المستوى العالمي.
ويبدو أن مهرجان مراكش للفيلم القصير نجح في فترة زمنية قصيرة في فرض اسمه داخل الخريطة السينمائية الدولية، مستفيدا من رؤية واضحة تقوم على الانفتاح والتجديد ودعم الإبداع الشاب. كما أن استمرار مبادرات مثل “Best Of” يؤكد رغبة المهرجان في تجاوز الحدود التقليدية للعروض السينمائية، وتحويل الفيلم القصير إلى أداة للحوار الثقافي والتبادل الإنساني بين الشعوب، وهو ما يمنحه قيمة فنية وثقافية تتجاوز مجرد كونه حدثا سينمائيا عابرا.