ما أعظمه من بحر حفظ أسراري … و ما أعظمه من قلب قد كتم جراحه .

الانتفاضة

منذ سنوات أحسست باختناق و أن الأرض قد ضاقت بي، و خرجت من منزلي لاستنشاق الهواء، فبدأت في المشي راجلا، و ذهبت هائما على وجهي، و لا وجدت نفسي إلا واقفا عند البحر، فنزلت عند الشاطئ و جلست على صخرة تصارع أمواج البحر بصلابتها، فدعاني القلب عن طريق القلم … لا بد أن تنثر خواطر تنهداتي بقلمك ؟ ثم أخرجت ورقة و قلم و أخذت أكتب خواطري، و بدأت الكلمات تقفز لذهني و بدأ قلبي ينبض بالخواطر و أعذب العبارات، فقلت له : لماذا لا تدعني أنال غفوة ؟! فقال : لا بد أن تنشر خواطر تنهداتي بقلمك حتى أفضفض و يخف ألم أهاتي و معاناتي، و قال قلبي مبررا شكواه : أنني لن أدعك تنام حتى تنشر تنهداتي على الورق لأستريح و تستريح .
قلت لا بأس يا قلبي وفي الأوفياء … ” ما أثقل الحياة ! أوحال و ألياف، و أسماك و أمواج، تروح و تأتي و هي هي .
فالذي رأيته أمس أراه اليوم و سأراه غدا، فهل بعد هذا الضجر من ضجر ” .
و تمر بالإنسان ظروف و مواقف و صور صعبة، و يعيش ضمن أشكال من المشاكل و الهموم التي تعصف به من كل حدب و صوب … و بينها و مع أشكال الصعاب و المشاكل … من الناس … يتناسى الإنسان في لحظات ضعفه و قهره بأننا خير وكيل و أقرب قريب و أسمع سميع و أقدر وكيل و أعظم وكيل … عندما نظلم و نقهر … عندما نتألم … عندما تعصف بنا ظروف الحياة بالألوان و أشكال شتى من الحيرة و الألم … عندما تكثر الديون و المشاكل لتشعل لهيب الشيب على الرؤوس … فما هذه الحياة إلا حياة ضوضاء و شقاء، لا يعلق بها إلا الضعفاء … فانتشلني أيها الفناء من مثل هذا البقاء .
و حين انتهيت من الكتابة … أخذت قارورة من الزجاج كانت بجانبي ثم لففت هذه الخواطر بداخلها و أحكمت إغلاقها، فقد فضفضت عن معاناتي و الٱلام التي كانت بداخلي، و كيف كانت محبتي لمن تخلوا عني و كيف كان فرحي و خوفي عليهم، و سجلت أجمل و أروع مواقفي معهم و في نهاية صفحتي كتبت صدمتي برحيلهم عني مجبرين و الذي مزال يؤلمني، ثم رميت القارورة الزجاجية و استودعتها صديقي البحر لتطفو هذه الهموم في القارورة الزجاجية لتذهب رويدا رويدا عن ناظري مع أمواج البحر مع غروب الشمس، هناك فما أعظمه من بحر حفظ أسراري، و ما أعظمه من قلب قد كتم جراحه .
البداوي إدريسي : المدير المسؤول لجريدة الأحداث الأسبوعية ” م – ن ” و الكاتب العام للإتحاد الوطني المستقل لقطاع الصحافة و الإعلاميين و معتمد لدى جريدة الإنتفاضة من أجل الحداثة .

التعليقات مغلقة.