الانتفاضة // الدكتور // فيصل القاسم
دعوني أعترف أولًا أنني لست قادرًا بأي حال من الأحوال على الخوض – لا من بعيد ولا من قريب – في الجانب الفكري والفقهي في شخصية الشيخ يوسف القرضاوي، فهذا مجال له رجاله، ناهيك عن أن هذا المجال تطرق له كثيرون، على مدى عقود، من سيرة الشيخ الزاخرة بالعطاء والفكر والاجتهاد.
لهذا اخترت في هذه المساهمة أن أتطرق إلى جانب ربما لم يتطرق إليه أحد بعد في شخصية الشيخ القرضاوي: إنه الجانب الإعلامي. ولا أقصد بذلك كيف تعامل الإعلام على مدى عقود مع مسيرة الشيخ، ولا كيف تعامل الشيخ مع الإعلام فكرًا ومنهجًا، بل أقصد تحديدًا كيف نجح الشيخ في أن يكون نموذجًا يُحتذى في فن الحديث إلى الإعلام، وهو جانب على قدر كبير من الأهمية، ولم يجد طريقه بعد إلى دائرة الضوء.
وبكوني أصبحت خبيرًا في التدريب على فن التواصل والتعامل مع الإعلام بعد مسيرة زادت حتى الآن عن خمسة عشر عامًا في مجال التدريب الإعلامي، حيث قمت بتدريب آلاف الأشخاص من إعلاميين، ومسؤولين كبار جدًّا في العديد من الدول العربية والأجنبية، على أفضل الطرق لمواجهة وسائل الإعلام واستغلالها الاستغلال الأمثل، أود هنا أن استغل خبرتي في هذا المجال لتقييم هذا الجانب المهم جدًّا في شخصية الشيخ القرضاوي، خاصة وأن الشيخ – على عكس الكثير من المفكرين والكتاب والباحثين – لم ينجح فقط في انتاجه الفكري الغزير، بل نجح أيضًا، وهو الأهم، في الوصول إلى ملايين الناس، عبر مهارته الإعلامية والخطابية النادرة.
لا شك أن هناك مئات المفكرين والكتاب الرائعين، لكن فكرهم ظلَّ حبيس الكتب والمؤلفات التي لم تصل إلا إلى نزر قليل من المتابعين والمختصين. لماذا؟ لأن أصحابها لم ينجحوا في الوصول إلى الجماهير إعلاميًا.
لبعض الرؤساء الأمريكيين مقولة مهمة جدًّا تكاد تكون قاعدة من قواعد فن الإعلام: (ليس مهمًّا أن تقول شيئًا، بل الأهم أن تعرف كيف تقوله). لا قيمة أبدًا للكلمة في الحديث لوسائل الإعلام والجمهور بشكل عام، إذا لم يعرف صاحبها كيف يوظفها فنيًّا وجسديًّا وصوتيًّا وعاطفيًّا. وتنبع أهمية المقولة آنفة الذكر من أنها صادرة عن رؤساء نجحوا نجاحًا باهرًا في فن التواصل مع الجماهير والتأثير فيهم، ليس فقط من خلال الكلمة، بل بالدرجة الأولى من خلال التواصل الإنساني بمفهومه الحركي. وكما ذكرت آنفًا، قد تجد مفكرًا وكاتبًا عظيمًا، لكنه غير قادر على إيصال فكره بالطريقة الأمثل إلى وسائل الإعلام، التي تعتبر الآن المحرك الأول للشعوب.
لقد لاحظت ذلك من خلال تجربتي الإعلامية، فليس كل كاتب أو مفكر رائع بالضرورة متحدثًا رائعًا. وقلما تجد كاتبًا جيدًا ومتحدثًا جيدًا في الآن ذاته، بل ستجد مفكرًا كبيرًا، لكنه بائس جدًا في مهارات التعامل مع وسائل الإعلام. ولطالما كنت أحلم باستضافة مفكرين وكتاب كبار في برامجي التلفزيونية، وكنت أجد سعادة كبرى عندما أستطيع الوصول إلى مفكر وأقنعه بالمشاركة.
وأتذكر ذات يوم أنني نجحت في الوصول إلى مفكر كبير، له أكثر من أربعين كتابًا في الفكر الإسلامي، وظننت وقتها أن الحلقة التي سيشارك فيها ذلك المفكر ستكون من أفضل الحلقات التلفزيونية التي قدمتها في حياتي، على اعتبار أنه مفكر مرموق، لكن خيبتي كانت كبيرة جدًّا منذ بداية الحلقة، فقد تفاجئت بأن المفكر الكبير لا يعرف كيف يتكلم، ولا كيف يخاطب الجمهور، ولا كيف يؤثر بالمشاهدين والمستمعين، فقد كان باهتًا بائسًا ضعيفًا للغاية، بينما الطرف الآخر الذي يقابله في البرنامج كان أقل منه في الإنتاج الفكري بعشرات المرات، لكنه سحقه سحقًا بطريقته البارعة في الحديث والمجادلة. وتساءلت وأنا أنظر إلى ذلك المفكر أثناء البرنامج: هل فعلًا هذا الرجل مؤلف أكثر من أربعين كتابًا من عيون الكتب؟ طبعًا لا نقلل هنا من قيمة ذلك المفكر الفكرية أبدًا، فهو يظل مفكرًا كبيرًا، لكنه كان يمكن أن يكون أكثر تأثيرا في الجماهير بعشرات المرات لو أنه امتلك ناصية فن التواصل والتعامل مع وسائل الإعلام. فليس مهمًا أن تقول شيئًا، كما أسلفنا، بل المهم كيف توجه كلامك للناس، وتؤثِّر فيهم من خلال ملكاتك الجسدية والصوتية والعاطفية.
وأتذكر ذات يوم أيضًا أنني قرأت إعلانًا يقول بأن المفكر الفلاني سيكون ضيفًا على أحد البرامج التلفزيونية، فألغيت كل مواعيدي كي أشاهد البرنامج، خاصة وأنني كنت من أكثر المعجبين بفكر ذلك المفكر ونتاجه الفكري. لكن صدمتي كانت كبيرة عندما بدأ المفكر بالحديث، لقد كان يتحدث بصوت خافت جدًّا، بحيث لا يكاد يُسمع. أما لغة الجسد لديه فقد كانت ضعيفة جدًا بلا أدنى حيوية أو تفاعل أو تواصل. وأكاد أجزم بأن كل الذين تابعوا المقابلة لم يكملوها، بسبب طريقة المفكر البائسة في الحديث، علمًا أن مَن يقرأ مقالاته وكتبه سيقرؤها بشغف كبير.
بعبارة أخرى: الفكر شيء، وإيصال الفكر إعلاميًّا لعامة الناس بالطريقة الأمثل شيء آخر تمامًا.
هنا تبرز أهمية الشيخ القرضاوي، ليس كمفكر وفقيه ومجتهد وكاتب من الطراز الأول فحسب، بل أيضًا كأستاذ في فن التوصيل والتواصل الإعلامي والسياسي والاجتماعي. وأتذكر أثناء دورات التدريب التي أقوم بها أنني كنت دائمًا أضرب المثل بالشيخ القرضاوي في قدرته البارعة في الحديث بحيوية وحماس وتفاعل. وكنت أقول للمتدربين الشباب الذين يتحدثون ببرود وفتور أمام الكاميرا: أنصحكم بمشاهدة الشيخ القرضاوي على الشاشة، فبالرغم من أنه أوشك على إكمال تسعين عامًا من عمره، إلا أنه ما يزال عندما يواجه كاميرات التلفزيون يتحدث بحيوية واتقاد ونشاط منقطع النظير! ولو طبقنا أسس الحديث المثالي كما وضعتها المدارس الغربية المتخصصة في فن التعامل مع وسائل الإعلام على طريقة الشيخ القرضاوي في الحديث أمام وسائل الإعلام، لوجدنا أن فضيلة الشيخ يطبقها بحذافيرها، مع العلم أنني متأكد من أن الشيخ لم ينتسب يومًا إلى كلية أو مؤسسة تدرِّس فن التواصل مع الإعلام، ولا أعتقد أنه خضع يومًا لدورة تدريب على مهارات التعامل مع وسائل الإعلام. لكنه يقدم لنا نموذجًا نموذجيًّا حديثًا في الطريقة المثلى للتعامل مع وسائل الإعلام.
كما أسلفنا آنفًا، فإن الكلمة تحتل مرتبة متدنية جدًّا في فن الحديث الإعلامي، وحسب كتاب أمريكي جديد يُعنى بفنون التواصل، فإنه أعطى للكلمة سبعة بالمائة من الأهمية فقط في عملية التأثير على المستمع والمتلقي، بينما أعطى خمسة وخمسين بالمائة للغة الجسد، وثمانية وثلاثين بالمائة لطبقة الصوت. ولو طبقنا هذه المعادلة على طريقة الشيخ القرضاوي في الحديث، لوجدنا أنه يطبق القاعدة الفنية في الحديث بحذافيرها، فقد تميز عبر ظهوره التلفزيوني على مدى سنوات بمقدرة رائعة على التأثير على المشاهدين والمستمعين، من خلال استغلاله الأمثل للغة الجسد، وطبقة الصوت، فجاءت كلماته أكثر تأثيرًا بعشرات المرات على الجمهور.
ولا ننسى أن فضيلة الشيخ وصل إلى ملايين الناس بعد ظهوره على الشاشة، لكن الظهور بمفرده ليس كفيلًا بإيصال الشيخ إلى ملايين المشاهدين، فهناك كثيرون ممن ظهروا على التلفزيون لعشرات السنين، لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى ربع الجمهور الذي وصل إليه فضيلة الشيخ القرضاوي خلال فترة وجيزة من ظهوره على الشاشة. لماذا؟ لأنه استخدم كل قواعد فن الحديث الإعلامي، ربما دون أن يدري أنه يستخدمها.
فلو نظرنا إلى لغة الجسد عند الشيخ القرضاوي، لوجدنا أنه يستخدم جسده بطريقة بارعة، وخاصة حركة اليدين، فهو لا يتحدث وهو جامد، بل يلحِّن كلماته جسديًّا، كما يلحِّن الملحن الكلمات ويحولها إلى أغانٍ بديعة. انظروا إلى يدي الشيخ وهو يتكلم، فهما تلازمان كل كلمة يقولها. وانظروا إلى حركة الرأس، فهي أيضًا ليست ثابتة كما يفعل معظم المتحدثين، بل تكاد تكون ملازمة لكل كلمة ينطقها الشيخ في حديثه أمام الجمهور أو الكاميرا. وحدث ولا حرج عن حركة الوجه عند الشيخ، فالوجه متفاعل دائمًا مع الكلمات. وهنا نشير إلى أن هناك أكثر من ثلاثمائة وثمانين عضلة في الوجه وحده، لكن كثيرين لا يستخدمون أيًا منها أثناء الحديث، فيأتي حديثهم مملًّا جامدًا بلا حيوية أو إيماءات أو عاطفة، بينما تجد عضلات الوجه لدى الشيخ في حركة دائمة طبيعية ملازمة لتدفق الكلمات.
وبينما يميل الكثير من المتحدثين، وحتى الخطباء، إلى الرتابة في حركة الصوت، نجد أن الشيخ القرضاوي يستغل الصوت استغلالًا مؤثرًا، بحيث يشكل الصوت لديه فعلًا ثمانية وثلاثين بالمائة من التأثير، كما وضعته مدارس فن الخطابة الغربية. ولو جئنا بمقياس لحركة الصوت واستخدمناه لقياس حركة الصوت لدى فضيلة الشيخ، لوجدنا الصوت يأتي متموجًا بشكل لافت، وهذا دليل على حيويته وتأثيره. وكلما تنوعت طبقة الصوت وتموجاتها، زاد تأثيرها على المستمع. لهذا يصل عدد المتلقين لدى الشيخ إلى عشرات الملايين وربما أكثر.
قد يقول البعض: إن الشيخ القرضاوي هو بالأصل خطيب مفوه، وبالتالي فإن استخدام الصوت بهذه الطريقة هو جزء من عملية الخطابة. لكن هذا غير صحيح بالمطلق. فقد قمت بتدريب مئات الخطباء ورجال الدين والدعاة، فوجدت أنهم يستخدمون الأسلوب الخطابي في كل أحاديثهم بغض النظر عمن يخاطبون، فلو طلبت منهم المشاركة في برنامج تلفزيوني، لوجدتهم يحاججون المشاركين بالخطابة كما لو أنهم في مسجد، بينما نجد الشيخ القرضاوي يعمل بمبدأ: لكل مقام مقال. فهو يحاجج حسب المقام، ولا يفرض اللغة الخطابية على كل أحاديثه؛ لهذا نجح في الوصول إلى الملايين.
وبالمناسبة ليس كل رجل دين بالضرورة متحدثًا جيدًا، فقد قمت بتدريب مئات رجال الدين من مختلف الدول العربية، فوجدتهم باهتين جدًّا في فن الحديث، لا بل إن بعضهم كان جامدًا كتمثال الشمع. وعندما كنت أطلب منهم أن يكونوا أكثر حيوية ونشاطًا في الكلام، كانوا يتحججون بأنهم رجال دين، ولا يجب أن يستخدموا الحركة وطبقات الصوت في الكلام، كما لو أنه حرام، بينما في الواقع كل علوم الإعلام والاجتماع والنفس تؤكد على أن الأشخاص الذين يستخدمون الحركة في الكلام هم أكثر قدرة على التأثير والإقناع والتوصيل من الأشخاص الجامدين.
لا قيمة للكلام من دون المحسِّنات الجسدية والصوتية. بعبارة أخرى، ليس كل خطيب بالضرورة متحدثًا ناجحًا، فهناك ألوف الخطباء والدعاة، لكن دلوني على الذين برزوا على الساحة، أمثال الشيخ القرضاوي. أكاد أجزم أنهم يُعدون على أصابع اليدين.
هناك خرافات كثيرة في ثقافتنا العربية والإسلامية ما يزال الكثيرون يعتبرونها مسلمات. ومنها خرافة الرزانة المصطنعة، فالبعض يرى أن الذين يستخدمون لغة الجسد والصوت يشذون عن المألوف، ويفقدون رزانتهم، مع العلم أن كل الدراسات الإعلامية والسوسيولوجية والسيكولوجية الجديدة تدحض تلك الخرافات الموروثة، وتؤكد على ضرورة الحيوية والتفاعل في الحديث حتى لو كان المتحدث رئيسًا.
انظروا إلى الطريقة التفاعلية في الكلام التي يستخدمها الرؤساء الأمريكيون والأوربيون، فهم يتحدثون إلى الشعوب بالطرق الحديثة التي تفهما وتتأثر بها الشعوب. ومن أهم العوامل التي ساهمت في وصول الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى السلطة، قدرته الفائقة على الحديث بلغة الكلام والجسد والصوت معًا. هل تعلمون أنه قبل أكثر من مائة عام كان هناك زعماء أوربيون يوظفون (بروفسورات) في فن الحركة والصوت ليعلموهم طريقة التعامل مع الجماهير والحديث المؤثر؟
إن أفضل من نجح في تعريف الإعلام في العالم هم الأمريكيون، فبينما يميل الآخرون إلى تسميته (تواصل) أو (إعلام)، يسميه الأمريكيون (شو بزنس) لأنه يعتمد بالدرجة الأولى ليس على الكلام، بل على العرض الجسدي والصوتي المؤثر. إنه التعريف الأحدث الذي وصلت إليه البشرية للإعلام.
لكن المذهل أن الرسول عليه الصلاة والسلام طبَّق كل فنون الحديث الإعلامية الحديثة قبل حوالي ألف وخمسمائة عام. وهذه ليست مبالغة أبدًا، بل حقيقة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا خطب احمرَّ وجهه، وعلا صوته، حتى كأنه منذر حرب يقول صبحكم ومساكم. لاحظوا أن أساسيات التعامل مع وسائل الإعلام الحديثة كلها مختصرة في الوصف أعلاه لطريقة الرسول.
إن علم التواصل الحديث، كما أسلفنا، ركز على شيئين مهمين، وهما: التفاعل الجسدي من جهة، والتفاعل الصوتي من جهة أخرى. وهذا يظهر جليًّا في طريقة الرسول الكريم، فقد كان يتحدث لمستمعيه بلغة جسد ووجه واضحة، بحيث كان يحمرُّ وجهه عندما يتكلم. ومتى يحمرُّ وجه الإنسان إلا عندما يكون متفاعلًا مع مَن يتحدث إليهم؟ كما كان أيضًا يعلو صوته، وينخفض حسب مقام الحديث، وكما ذكرنا آنفًا، فإن الصوت يأخذ ثمانية وثلاثين بالمائة في فن الكلام والحديث إلى وسائل الإعلام والجمهور.
لقد برع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في تطبيق طريقة النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، في الحديث والتفاعل الجماهيري بحذافيرها، وبقصد أو بغير قصد، فقد طبَّق أيضًا فنون التواصل الإعلامية الحديثة ببراعة عزَّ نظيرها.
التعليقات مغلقة.